من أعلى شجيرات السرو ، على مدى السياج ، سيبذر القمح والشعير ... ثم انه سيقتلع الهشيم ، ويسوّي الأرض ، ويهد الشعاب ، ويجمع الحصى والحجارة فيجعلها كوماً تمتد مع السياج ، من صخور الوعر ، إلى شجيرات السرو ، حتى ضفة النهر ... ولسوف يدر عليه الموسم بالخير هذا العام ، فيؤمّن خضره وقمحه وشعيره ، فضلاً عما تنتجه البقرات من لبنة وزبدة وسمنة ... وبعد عام ... بعد عامين ، تنمو الأغراس وتنضج الثمار ، فيقطفها ، ويذهب بها إلى أسواق الجبل المجاورة .. ويبيع .. ويربح .. ويصبح في نعيم هو وأمه وأبوه ... فيحلو الوادي ... وتطيب الحياة ... وكيف لا ، وهنا أرضه ، وهنا أهله وربعه ، وهنا رزقه وعيشه وراحته ... ومهما يكن من أمر ، فإنه لن يكفّ عن طلب الرزق والعيش والراحة ، ولن يتخلى عن الأهل والربع ، ولن يهمل الأرض ، بل سيتعهدها بعنايته يوماً بعد يوم ، وعاماً بعد عام ، فلا يبيع ، ولا يفكر ببيع ، ولا يحلم بهجر ... لا لن يفعل كجارهم أبي الفهد ، إذ باع اليهود الحقل والبستان وكروم العنب والتين والزيتون ، ثم هجر الوادي ، وذهب إلى الجبل ، حتى إذا جاءه أهل الحي يلومونه ، وقال له أبو حسني معاتباً :
— ماذا فعلت يا أبا الفهد ؟! ... أنك تجني على نفسك وعلى أهلك وعلينا ! ... هلا تريثت وفكرت ملياً بالأمر ؟!
أجابهم ساخطاً ، وفي لهجته هزء وسخرية :
— لقد تركت التريث والتفكير لكم أيها الصحاب الناصحون ... ابقوا في واديكم القفر هذا ... ثم احرثوا كما شئتم ، وازرعوا على هواكم ... أما أنا فسأبيع ... وارتاح ... وأتبجح ... ومن بعدي الطوفان ...
وكأنما هذه الذكريات قد عادت اليه ، تلح عليه في عنف ، وتلح عليه في لين ، كأنما هذه الظلال الباهتة التي تطفو على حوادر الربوة ، وهذه الأصوات الخافتة التي تشيع في حنايا الوادي ،
كأنما كل شيء أخذ يداعبه في رفق ما هو بالرفق ، ويعابثه في قسوة ما هي بالقسوة ، حتى لكأنه يعود إلى أعوام خلت ، فاذا الدنيا بين صيف وخريف ، واذا اليوم بين ليل وصباح : فبينما هو

