يسوق البقرات الى العين، شردت بقرة الى كرم مجاور، وما ان مال الى الكرم ليردها حتى اتاه نباح شديد ونداء صارخ من بعيد:
- من الضارب في الكرم ؟!...
والتفت حسني، فاذا في طرف الكرم عرزال، قد انتصبت على بابه صبية سمراء، مشوقة القوام، تنفخ الريح بثوبها الرقيق، وتلعب بشعرها الطويل، والى جانبها كلب ابيض، ما يزال يبصبص بذنبه، ويمد عنقه بنباح يصل اليه مع النداء:
- مَن الضارب في الكرم ؟!.. أبشر ام بقر ؟!..
- جار لك ... جار قريب ...
- جار لنا ؟!.. ما اكثر الجيران !. هيا اخرج من الكرم او فادنُ من العرزال ... والا هاجمك «بارود» ومزقك ... من انت ؟!...
- حسني ... حسني ابن ابي حسني ... راعي البقرات كنت ذاهباً بها الى العين ... فشردت بقرة ... ولكنها لم تقضم ورقة واحدة من دالية ... انها عاقلة ... وتحلب رطلاً في اليوم ... رطلين ... أولا تحبين حليب البقر ؟!..
- بل لا احب حليباً سواه !...
- إذن فهات طاساً ... وحليب هذه ليس ككل حليب ... ولك في كل يوم طاس ...
- أهذه اول مرة تسلك هذه الدرب ؟!..
- بل في كل بكرة وكل عشية ... ولكني ما لمحتك من قبل ... وما كنت لأعلم ان في الوادي جارة سمراء .. كما لا أعلم اسم هذه الجارة !...
- ريحانة ... ريحانة بنت ابي الفهد، واخت الفهد ...
- ما اجمل الاسم !... مثل نفحات الكروم ... يا سمراء !...
- سمراء ؟!.. كلا ما انا بسمراء !. ولكن اهلي جعلوني ناطورة الكروم، فلوحتني الشمس، ولفحتني الريح .. ألا تمكث قليلاً، وتبل ريقك بعنقود من عنب وكوز من تين ... ان عناقيدنا ندية ... واكوازنا شهية !...
واحس حسني كأن نكهة العنب والتين ما تزال عالقة بفمه ... ولكنه ظل يمر بالعرزال في كل روحة وكل عودة، فيملأ لها طاس الحليب، وتهيء له سلة العنب والتين، فيأكلان حتى يشبعا، ويشربان حتى يرتويا، ويضحكان ويغنيان حتى يتعبا ... هكذا، يوماً بعد يوم ... حتى صدف ان تلاقيا في ظهيرة احد الايام على قنطرة العين، فهتفت به ريحانة:
- الى اين من هنا يا حسني ؟
- الى الضفة الاخرى ... الى العين والمرعى ... وانت الى اين ؟
- الى الضفة الاخرى ... الى الكرم ... وهل هنالك غير الكرم ؟!.
- ما ابعد الكرم من المرعى ... والضفة من الضفة .. لولا هذه القنطرة !.
- ستظل هنالك قنطرة !..
- من يدري ؟!.. فقد يجرفها السيل اذا جاء الشتاء وفاض النهر !..
- ولكننا نرسمها ... يجب ان تكون هنالك قنطرة .. فان بالكرم شوقاً للمرعى، وان بالضفة حنيناً للضفة الاخرى ... ولولا هذا النهر ... اسمع لدي فكرة ... تأخذ حفنة من تربتنا وتنثرها في تربتك، وآخذ حفنة من تربتك وانثرها في تربتنا ...
وشعر حسني بانه ما يزال قابضاً على حفنة من التراب، وان غبارها ما برح يلوث كفه .. ولكنه ظل يمر بالعرزال وينتظر على القنطرة، وهما بين اكل وشرب، وضحك وغناء ولعب ... هكذا ... يوماً بعد يوم، واسبوعاً بعد
اسبوع ... حتى عصارى ذلك اليوم، حين كان جالساً على الصخرة القديمة الملساء، تحت السنديانة العتيقة المتعالية على كتف الربوة، فجاءت ريحانة من ورائه تسعى على اطراف قدميها، ثم دنت منه، واطبقت على عينيه بكفيها وشدّت، فصاح مرتعباً:
- من ؟!..
- ...
- من ؟!.. وكيف لي ان احزر !. اي مداعبة واي مزاح ؟!.. من ؟!
- ...
- إفّ .. يا لحقة الدم !..
ولكن يديه راحتا تتحسسان وتتجسسان، فاذا انامل دقيقة لينة، وثوب رقيق فضفاض، وخصر ضامر اهيف، وشعر متهدل طويل، وخد اسيل، وشفة، شفتان ... فقال، وهو يتمسك بتلابيبها ويستدير:
- انت يا شيطانة !... انتِ ... ومن غيرك !
ثم لفها بذراعيه، وشدها اليه في شيء من الدعابة وشيء من العتاب، ولكنها قالت، وهي تحاول التملص والانفلات:
- وماذا جلوسك وحيداً ههنا ؟!.. لعلك على ميعاد !.
- أترين هذه الارض ياريحانة ؟!..
- هذه الارض ؟! وهل ارى غير ارض بأرض ؟!..
- هذه الارض كلها لنا ... ولسوف تصبح جنة ... تصبح دنيا ... من صخور الوعر الى ضفة النهر ... من قنطرة العين الى كرم العنب والتين ... هذه الارض كلها لنا !...
وخيل لحسني انه ما يزال جالساً على الصخرة، وان ريحانة تكاد تنفلت من بين ذراعيه ... ولكنه ظل يمر بالعرزال، فينتظر على القنطرة، ويجلس على الصخرة،
