لقاء اول
فور تسلمي هذا العدد من مجلتنا الغراء ، وبعد ان فضضت الغلاف وتفرست بصورته ، واذا انا في طريقي اصادف رئيسة التحرير ؛ فلم اتمالك الا وبادرتها ، بعد تبادلنا التحية ، باعتراض على هذا الوجه الجعد العابس يتصدر هذه المجلة الأنيقة في الوقت الذي تزدان فيه المجلات الاخرى بالسحن الناضرة الوضاءة الباسمة . واكملت احتجاجي ولو بانصافها كونها لا تخلو من الطرافة ولكنها من وجهة استاطيقية لا تروق لعين الشاري ولا تدعو الى الاعجاب السريع ، وبعد ان سمعت ادفيك جويديني شيبوب كل ما قلته في هذه العجالة ، بهدوئها المعتاد ودهائها الوقاد ، لم تفاجئني كما كان يحق لها ان تفعل « ومن طلب رأيك في صورة الغلاف ؟ » او « من قال ان حكمك مقياس للقيم الاستاطيقية او التجارية في الادب ؟ » بل احالتني الى الفقرة في الصفحة التالية التي تفسر عنها . وبعد ان تبادلنا تحية « باسمة » وافترقنا ... ومنذ تلك اللحظة ، ولا ادري اصورة الشيخة وحدها ، ام دفاع المحررة السلبي عنها ، ام كلاهما معاً ؛ قد اثار جيشاً من الهواجس الخاطرة لم تبرح مخيلتي حتى اختليت الى نفسي وقلت « لأراجع ما تشرح الفقرة » ثم عكفت على الوجه المغضن واذا به يبسط اساريره واسراره ويتألق النور في العينين السابرتين غور نفسي الحيرى ، وينفرج الفم المنقبض عن حنكة مجربة ويقول :
الشيخة تتكلم
لقد فوجئت بسؤال المرأة العصرية المتحررة ، انا القديمة .
المقيدة ، يوم طلعت اعداد مجلتها في مطلع عهدها الجديد اذا كان لدي « ما اسديه اليها » في مرحلتها الحالية العامة ؛ ولأنني اجهل القراءة ولا تربطني اية صلة بالمدنية الغربية ؛ انا لا افقه السياسة ولم أرب على النحل الاجتماعية المعقدة .... انا ربيبة الطبيعة وبنت لبنان الأصيلة ... نعتني اختي العصرية « بالحكمة والصلابة والجلد » . اما والحقيقة فان ما اسرته ملامحي من حكمة هي ليست عندي الا سليقة ، وما دعتها صلابة هي لي مرونة وما اسمته بالجلد هو بعري قوة الاستمرار ، سنة الطبيعة لاغير :
لم اكلف النفس يوما باتيان ما هي في كره له ولم اتوخ السعادة مصطنعة خادعة « ابكي مع الباكين وافرح مع الفرحين » اقدس الواجب وهو ديني واعمل كادحة راضية من اجل مملكتي الصغيرة شبيهة بالنحلة تطوف على الزهر في جمع الشهد ، اعطف على الغريب واحاسن القريب وعندي كلمة شكره ولا حطام هذه الفانية . احنو على قرباي ولا اصغر بهم واتطلع الى رؤسائي بعين الثقة والاكبار . اضع الحقيقة موضع الروح . اني آنف المداهنة والاستجداء واصهر حب الذات بالمبرة والعطاء . اثمن ما املك صحتي ولا مراء « فالعقل السليم في الجسم السليم » وفي ذلك الطبيعة هي حليفتي وهي عندي انجع مقو وطبيب . نحن نعمل معاً ، الطبيعة وانا ، فلا ابعد منها مسخرة طاقتي ولا ابعد مني جاحدة فضلها ... سنتها الاعتدال وشريعتها النمو والارتقاء .
أنا بين أمرين
قلت في نفسي ، والشيخة تهذي الى ما لا آخر له : « حسنا