تنفست الصعداء وانا اترجل من التراموي، كعصفور أفلت من قفصه، وصعدت الشارع المحاذي للمستشفى الاميركي لكن لم ألبث ان جمدت في مكاني لأن صبياً في نحو العاشرة، قطع علي الطريق بعلبته الصغيرة الملونة بصفوف العلك «التشكليت» الأحمر والاصفر والاخضر.
لم يفتح الطفل فمه وانما اكتفى بنظرة توسل صوبها الى وجهي بكل ما في طفولته البائسة من ضراعة وذلة ... وتعالت دقات ساعة الجامعة معلنة الثامنة ليلاً، وجزعت على الصغير امامي، تأزف ساعة نومه وهو مشرد على الطرقات، لا يعلم غير الله متى والى اي وكر يؤوب. ورمقت الصبي بشيء من حنان ما تعوده من المارة، فهؤلاء قلما قابلوا لجاجته وتوسله بغير النهرة الجافة، او الزعقة العالية. وغريب كيف كيف الصغير نفسه لمختلف مزجة الناس! غريب كيف بات يقابل النهرة بوجه رضي، مكرراً دعاءاته وتوسلاته.
لم يكن يسيراً استدراج الصبي والتحقيق معه عن بيئته وعن حياته. وتوصلت اخيراً الى ما يلي: انه يربح ليرة ونصف كل يوم، ينقدها والده الذي لا يلبث ان يتوارى في الظلام الى محششة او مقمرة ... وفي صباح اليوم
التالي يعود الصغير الى شارعه ليستقبل يوماً جديداً من حياته هو توأم ليومه السابق وللايام التوالي.
هذه صورة صحيحة لمئات المشردين الصغار، تخشوشن طفولتهم في الشوارع والازقة، حفاة، شبه عراة، يألفون الذل والهوان يقتلون صفوة ايامهم في الزمهرير القارص وفي القيظ المحرق بعيدين عن الحياة الكريمة المترفة، بعيدين عن المدارس التي يجب ان تكون الملجأ الوحيد لامثالهم، لتتعثر اقدامهم وتنزلق في مهاوي الرذيلة ويصبحوا من محترفي التشرد... ومن يدري اي باع يكون لهم في المستقبل من فنون النشل والاحتيال والاجرام؟!
ان واجب كل مواطن ومواطنة حيال هؤلاء الصغار الذين تضج بهم
شوارع بيروت، من باعة علك ومتسولين وما شاكل، هو أولاً عدم تشجيعهم والاحسان إليهم ثم العمل الايجابي والدعاية الواسعة وايواء هؤلاء في البيوتات وفي المؤسسات التي تعنى بهم، وخصوصاً الدعوة للتعليم الاجباري خير الحلول جميعاً، والذي يؤمن هؤلاء الصغار العناية والعلم ويبعدهم عن اجواء المفاسد والرذائل. إن كل يد تمتد لشراء العلك من الباعة الصغار او للاحسان الى المتسولين منهم انما تساهم في تشريدهم وفي سوقهم الى طريق الضلال، وقد آن لنا كآباء وكأمهات ان نستيقظ لهذا الواجب الوطني ونحمي هذه الطفولة المشردة من عشرة السوء المبثوثة في الازقة، ونردها الى حظيرة الأمن فننقذها من السقوط والضياع، وننقذ مجتمعنا من الويلات والجرائم التي يجرها امثال هؤلاء ساعة يقوى عودهم ويشتد ساعدهم، واخيراً، اننا بعملنا هذا نستبدل لوطننا انساناً فاسداً مفسداً بانسان صالح مصلح وعنصراً هداماً سلبياً بآخر ايجابي بناء ...


