يؤم المصطاف ديارنا انتجاعاً للراحة وطلباً للصحة والعافية . فلا يمضي طويل وقت على وجوده بيننا حتى يشعر بحيوية ونشاط وقد توردت وجنتاه واشتدت عضلاته وخفت حركته وتوثبت مشاعره فيبدأ بالتفكير في كيفية تمضية الوقت كي لا ينال السأم منه منال التسلية ويتوق للتعرف الى ما هو جديد وطريف .
لقد ألف مصطافنا ملاهي مراكز الاصطياف اللبنانية صيفاً اثر صيف التي ليست لبنانية بشيء – اسماء مستعارة برامج متشابهة ساعات محدودة – هي كناية عن سلسلة من المقاهي وصالات الرقص والحانات يدفع فيها الكثير كي ينال منها القليل فضلاً عن جلبتها التي تتنافى وشروط الراحة التي ارادها منذ وطئ قطرنا الجميل هرباً من صاخب عمله سعياً وراء متعة شيقة .
ولرب معترض يقول : ان كان ضيفنا من هواة التاريخ فهذه قلعة بعلبك وذاك قصر بيت الدين وقد عنت بها مصلحة الآثار . وان كان محباً للجري فليتأبط بندقية ليصطاد بها العصافير من الكروم المجاورة . ودونه والسباحة أليس من مكان له على شاطئنا اللازوردي من طرابلس حتى صيدا يقضي فيه وقته كي لا يمل .
ان الاصطياف لم يعد قضية استثمار لما وهبته الطبيعة فقط . او لما خلقته الاجيال الغابرة من معالم وآثار او لما يتطلبه الذوق العادي الرخيص بل اصبح علماً وفناً – في الدعاية والتشويق أولاً وبالترفيه والترويض والتوجيه ثانياً وبالكسب والربح ثالثاً .
والفن مع ضآلة علمي به وهي القلب
والاحساس بالجمال . واني اناشد المرأة فلئن كان الرجل عقل الامة المفكر فالمرأة هي قلبها النابض – اناشدها ان تستوحي مرهف احساسها بالجمال خارج نطاق شخصها وبيتها وتتخيل معي لبنان ساحلاً وجبلاً موطناً للسائحين كما تكون دارها مقصداً للزائرين . فكما نبذل نحن النساء قصارى جهدنا في مرضاة ضيوفنا من روعة اثاث وحسن مجاملة وطيب مأكل وحلو عشرة ووفرة تسلية ، هكذا يتطلب الزائر في دارنا الكبير وهي لبنان ، من اهتمام خاص لراحته وتسليته وهنائه .
وما في هذا القول من مغالاة : فوحدة التقاليد والعادات ، ووحدة اللسان ، ووحدة الاهداف ، بين العائلة المضافة لبنان ، وبين العائلة المضيفة المصرية او العراقية ، او السورية او السعودية الشقيقة ، ليسهل علينا صياغة مضيفنا الجميل في قالب اخاذ ذي طابع شرقي خاص ، وصيغة محلية فريدة ، ولون عربي وعصري معاً . كي ينهض لمجاراة الامم الراقية سيما التي تعد نفسها مهبطاً للسياح وكعبة للرواد .
هل سمعت عن مسافر في مدريد لم يشاهد مصارعة الثيران ؟ او لا يذوب شوقاً كل من توفر لديه المال والوقت لحضور مهرجان السينما في كان ؟ اية امة لم تباه في الاشتراك في الالعاب الالمبية في برلين قبل ١٩٣٩ ؟ ولم تعد فرصة نادرة لمن حشد نفسه مع آلاف الخلائق في السنة المقدسة في روما من ثلاث سنين او في تتويج ملكة بريطانيا حديثاً ؟
ترى اية حلة يلبسها لبناننا العزيز ، حلة قشبية تقوي السائح وتجذبه الى
شواطئه الزرقاء وجباله الشماء .
لقد رفلت بيروت في حلة قشبية يوم عقدت منظمة الاونيسكو اول مؤتمراتها فيها . فتعرفنا نحن اللبنانيين يومها على فنانينا وادبائنا . وجامعاتنا وجمعياتنا ، وجرائدنا ومنظماتنا . فما لنا كففنا عن استيحائهم واضطراد خدمتهم لانفسهم ولوطنهم ؟ الا يكون الاصطياف تربة خصبة للفن والادب والموسيقى ، والرفاهية والترفيه ، والصحة العامة ؟ فكان المار في شوارع عاصمتنا تسترعي انظاره نظافتها وخلوها من الادران الجرثومية والبشرية معاً كما تفعل نحن ربات المنازل تماماً ، عندما يحل علينا ضيف . فمن الطبيعي ان تقصي ما يجه الذوق ، ونهيء ما يؤول الى الاغتباط والانشراح – لان روح الجمال وحب التأثر والتأثير به الكامنة فينا ، لا تتخذ لنفسها شكلاً محسوساً ، الا اذا دعاها حافز او طرأت عليها مناسبة .
واية مناسبة نحن اجدر فيها من ابراز احسن ما اوتينا من مناسبة الاصطياف الذي يعود علينا باهم مورد اقتصادي لنا ، فاذا تسنى لنا المحافظة على النظافة التامة مدة الصيف ، وهو اقل الفصول مساهمة مع الانسان فيها ، خرجت مراكزنا الساحلية والجبلية بآهي حلة تعسر عليها نزعها بعدئذ – بحكم العادة . وما العيب فيها اذا تناظفنا وتحلينا من اجل غيرنا الا تفعل نحن كذلك ايضاً في حياتنا الخاصة عندما نذهب لاستقبال ضيف او نتأهب لموعد .
حوالي سنة ١٩٣٢ نظمت شركة البواخر اليونانية رحلة الى الارز تبدأ من مرفأ بيروت حتى ميناء طرابلس ثم يستقل فيها الراحلون السيارات صُعُداً الى منطقة الارز – رحلة قصيرة تستغرق اليومين ولا تتجاوز تكاليفها العشرة ليرات لبنانية . اما اليوم فلم تعد تكفينا
