قصة الشهر
وهما بين أكل وشرب ، وغناء ولعب ،
ومزاح وجدّ ... هكذا ... يوماً بعد
يوم ، وأسبوعاً بعد أسبوع ، وشهراً بعد
شهر ... والدنيا من حولها فرحة ..
والدنيا أشراق .. لولا أن أم الفهد
كانت تتقلب على فراش المرض وتسوء
حالها وتسوء ... ولولا أن الفهد قد
طرده أبوه من البيت لعصيانه أوامره
الصارمة ... ولولا أن أبا الفهد قد أخذ
ينفر منه أهل الحي ، إذ باع الحقل
والبستان وكروم العنب والتين
والزيتون ... حتى ذلك اليوم ... حين
صرخ فيها أبوها غاضباً ، ثم جرها من
شعرها ، ولسانه ما ينفك يقذف الشتائم ،
وهي تتلوى بين قبضتيه وتئن ، وفي عينيها
لفتة صوب الربوع ، وعلى شفتيها هتاف
بأهل الحي !...
وظل حسني يطارد هذه الذكريات
الراجعة التي كانت تلح عليه ، فتدغدغه
وتعبث به ، ولكنها كانت ما تزال
ترف من حوله وتحوّم وتهف ، لحظة بعد
لحظة ، وساعة بعد ساعة ...
وكان الظهر ... وكان العصر ...
وانتهى حسني من الحراثة ، فحل النير ،
وطرح المحراث ، وسرّح الفدان ، وقد
انطوت أحشاؤه من الجوع ، وييس حلقه
من العطش ، وانكوى وجهه من وهج
الشمس ولفح الريح ...
ولكن الريح كانت قد خفت ،
والغيوم قد وهنت ، والشمس قد مالت
نحو المغيب ، فإذا كل شيء باهت خافت ،
لولا تلك الظلال التي ما برحت تطفو ،
وتلك الأصوات التي ما برحت تشيع .

