ولم يحس إلا وهو يضرب في الشعاب، ولم يشعر إلا وهو جالس على الصخرة، وقد أخذ رأسه المثقل بين يديه وراح يفكر ...
وطال جلوسه ... وطال تفكيره ... فها هو ذا قد انتهى من العمل، ولكنه متعب جوعان عطشان، لا يجد في أعماق نفسه، ولا يجد في قرارة الوادي، غير البؤس والخيبة والحرمان ... فإن والديه الشيخين لن يعيشا طويلاً، وليس له من رفاق أو أصحاب أو أحباب إلا أولئك الذين ذهبوا عنه، ولم يتركوا في هذا القفر سوى طيف أو ظل طيف، ونداء أو رجع نداء ...
وكأنما صوت شاك ضعيف مر في أذنه:
— حسني ... حسني ...
فهب من مكانه، ومد بصره في حيرة، ومد سمعه في وجوم، والتفت ذات اليمين، والتفت ذات اليسار ولكنه لم ير شيئاً ولم يسمع شيئاً؛ وخيل إليه أنه واهم، فعاد إلى مجلسه، وأخذ رأسه بين يديه ... ومرت لحظة .. ومرت لحظات ... وكاد أن ينسى كل شيء، لولا أن عاد ذلك الصوت يهمس في أذنيه شاكياً ضعيفاً؟
— حسني ... حسني ... لقد عدت يا حسني !...
وانتفض من مكانه، فإذا من ورائه صبية سمراء، محلولة الشعر، مزقة الثوب، مهشمة القدمين، تسعى نحوه في وهن، ثم تنهد عند قدميه باكية شاهقة، وتقول، وهي تمرغ وجهها على التراب:
— لقد عدت يا حسني ... لقد عدت ...
— ري .. ريحانة !!! من أين أتيت ؟..
وكيف ؟ ... ومتى ؟ ... أصحيح أن ...
— لقد قتل أبي ... أمس ... وجثته ما تزال مطروحة على قارعة الطريق ... ولقد هربت من البيت ... فالبيت وحشة ... والبيت فراغ ... والبيت ..
— وأمك يا ريحانة ؟!.. وأخوك ؟!..
— أمي ؟!.. يا لأمي كيف قضت منذ شهور ... قضت من جور أبي ... هذا الذي ما كان ليدفع أجرة طبيب أو ثمن دواء، وهو الذي ينفق المئة والألف هكذا ... حتى أصبح البيت مقمرة ... وأصبح البيت خمّارة ... وأصبح البيت ... آه ... ماذا أقول يا حسني ! ... ولو كان أخي يعلم ... ولكنه ترك البيت، ولم يعد إلا مرتين: مرة جاء خلسة ليراني؛ ومرة، منذ يومين، جاء وسأل عن أبي ورأيتهما يتشاجران، وسمعتهما يتصايحان ... فقال أخي آخر ما قال: « ألا ليتك لم تكن أبي ... لقد بددت مالك، وشردت عيالك، وأصبحت وصمة عار لنا ولك ... كف عن البيع يا أبي ... كف عن السمسرة. كف عن السكر والقمار والعربدة ... كف، وإلا علمت ما هي نهاية كل من يخون أهله وأرضه ووطنه ... وإن عفا عنك جميع الناس ونجوت، فاعلم أنك لن تنجو من شخص واحد على الأقل لا يعفو أبداً عنك ... ولا تخطىء يده المرمى ... » حسني ! .. ألا تسامحني يا حسني ؟!.. قل انك سامحت ... هذه الربوع العزيزة ما يزال بي شوق إليها وحنين دائم لها .. فهنا ربيت يا حسني، وهنا عشت، ولا أريد أن أموت إلا هنا ! ... لقد مررت بالكوخ فقال لي عمي الشيخ وامرأة عمي أنك هنا ... إنهما عاجزان .. ولكني سأعولهما .. وسأرعى البقرات وأحلبها، وأصنع
اللبنة والزبدة والسمنة ... سأغزل الصوف وأحوكه أردية ... سأخيط وأرتق ... وأنظف وأطبخ ... هنا قلبي يا حسني ... وهنا عقلي ... وهنا يدي ... وهذه التربة الناعمة .. هذه الأرض الطيبة .. سنجعلها جنة ... سنجعلها دنيا ... من صخور الوعر، إلى ضفة النهر ... من قنطرة العين، إلى كرم العنب والتين .. هذه الأرض كلها لنا !..
وكأنها دفقة من الفرح والإشراق غمرت حسني، فحنا عليها، وانتشلها إليه، وقال، وهو يطوقها بذراعيه:
— بلى ... يا ريحانة ... بلى ... هذه الأرض كلها لنا ولسوف نقيم العرزال ونرمم القنطرة .. ونبني كوخاً آخر .. هنا ... على هذه الصخرة القديمة ... تحت هذه السنديانة العتيقة ... ولسوف ...
ولكنه لم يدر ماذا يقول، بل ضمها في شوق، وضمها في حنان، فإذا قلب يخفق في قلب، ونفس تهب في نفس، وثغر يدنو من ثغر، وقد أخذ الفدان يصعد الربوة، ووقف أمام الكوخ شخصان: شيخ يلوّح بكوفيته، وعجوز تمسح عينيها بطرف كمها؛ ومر في البال طيف خاطر: طيف فارس ملثم، يسابق الريح، على صهوة جواد أدهم !...

