لاستغلال الموقف الدولي ربما لا تعود في تاريخنا المقبل.
س - ما المهمة التي انتدبتم لها في رحلتكم الى كراتشي؟ وما هي اهم انطباعاتكم عن تلك البلاد؟
ج - لم تقتصر مهمتي على زيارة الباكستان وعاصمتها كراتشي بل تناولت البلدان العربية باسرها والهند. وكانت مقتصرة على مخابرة المدعوين من العلماء المسلمين لمؤتمر علمي ادبي هو الاول من نوعه، يعقد في الاسبوع الثاني من ايلول في جامعة برنستون للمناقشات في التوجيهات الحديثة في الأدب والتربية والفلسفة والشريعة والعلم وكتابة التاريخ كنتيجة للتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الطارئة على بلدان الشرق الادنى وكنتيجة للأثر الغربي في العهد المعاصر.
وفي مقدمة الانطباعات كثرة عدد المسلمين في الباكستان والهند البالغ نحو مائة مليون اي اكثر من ضعفي عددهم في العالم العربي باسره. وفي هذين البلدين النائيين اعظم مساجد يتسع الواحد منها لخمسين الى ستين الف مصلٍّ دفعة واحدة. وفي الهند اجمل مسجد في العالم قاطبة، تاج مهال في أغرا. والعلماء المسلمون هناك يضعون كتبهم باللغة الانكليزية، والاساتذة منهم يحاضرون بها ويدققون فيما ينشر بهذه اللغة وبغيرها من اللغات الاوروبية فيما يتعلق بالدروس والتنقيبات الاسلامية. وهم يعالجون مشاكل تتعلق بالثقافة الاسلامية وتطورها وتكيفها بموجب مقتضيات العصر الجديد قلما يعالجها غيرهم من علماء الاسلام. وكم كانت دهشتي لما وصلت الى كراتشي واذا بنقابة بائعي الكتب تقيم لي غذاء حال وصولي يضم نحو ثلاثين شخصاً وجمعية المؤرخين الباكستانيين تحيي ليلة في دار رئيسها احد الوزراء السابقين. والاسئلة التي وجهها الى بعض هؤلاء وبعض الاساتذة في لاهور لا اذكر ان احداً وجه الىّ مثلها في البلدان العربية.
س - اي نجاح صادفه كتابكم «مختصر تاريخ العرب» وما شأن غيره من مؤلفاتكم الرئيسية؟
ج - ربما جاز القول ان هذا المؤلف لاقى نجاحاً لم يلاقه غيره من نوعه في هذا العصر. ففي هذا الصيف خولنا احدى المؤسسات حق ترجمته للغة البنغالية وكنا قبلاً منحنا حق ترجمته للاوردو لغة الباكستان، برغم ان احدهم في لاهور وآخر في دهلي قد سبقا وترجما الكتاب لهذه اللغة. وفي العام الماضي سمحنا بترجمته للازدونيسية وفي هذا الصيف سألتني شركة مكميلان في لندن عما اذا كانت لدي من الاصلاحات او التغييرات لطبعة انكليزية جديدة.
اما تاريخ العرب المطول فآخر ترجمة له كانت بالاسبانية في مدريد. وترجمته العربية الآن في طبعتها الثانية. والتقارير تدل على ان «تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين» بالانكليزية سيكون له ما كان لسلفه تاريخ العرب المطول من الرواج.
س - سمعنا انكم تعدون تاريخاً عاماً للبنان. وبهذه المناسبة نسألكم: هل تعتقدون ان لبنان - بوضعه الحالي - يستطيع ان يتابع تمثيل الدور الثقافي الذي مثله فيما مضى؟ وكيف ذلك؟
ج - ان ما سمعتموه صواب. فأنّا الآن ساعون لوضع مجلد خاص للبنان. والمادة الخام جاهزة. ولكن لا بد من قضاء السنين لسبكها واعداد الخرائط والمصوّرات لها. فالعمل شاق يتناول ليس الاعصر التاريخية فحسب بل السابقة للتاريخ ويتعداها للعصر الجيولوجي ويتناول التكوين الجغرافي. وليس لدينا تاريخ شامل للبنان نستأنس به. ولقد قمت في هذا الصيف والصيف الفائت بزيارة بعض المتاحف والمكاتب فيه على امل الاطلاع على مواد جديدة.
كان ابناء لبنان اول شعب شرقي أحكم العلاقات العلمية الادبية مع أبناء اوربا، وذلك منذ اواخر القرن السادس عشر واوائل السابع عشر، عندما أخذ الطلبة اللبنانيون يؤمّون المدارس في رومه وغيرها. ومن هؤلاء السماعنة والصهيوني والحاقلاني والدويهي وغيرهم من عاد الى لبنان للعمل في حقلي الدين والتهذيب او التحق بجامعات رومة ونابولي وباريس يعلم وينشر الكتب ويعرّف الغرب على ذخائر العربية والسريانية. كذلك كان لبنان اقدم مركز للمؤسسات التهذيبية الغربية الثابتة من امثال الجامعة الاميركية والجامعة اليسوعية في بيروت. ولكن الحربين العالميتين وما تلاهما من الانهيار الاخلاقي المسكوني ترك ابناء لبنان في حال من الميعان الفكري والنفسي ربما لم يصلّوه في عهد سابق. وما زاد في بلائه ان مقداراً كبيراً من خيرة دمه تسرب الى بلدان اجنبية. وهذا الميعان الاخلاقي الفكري منعكس في الوجه السياسي. فمتى تبلورت الاخلاق القومية الوطنية وتمتعت الحالة السياسية بشيء من الاستقرار وتمركزت الحياة الفكرية على اسس راسخة، عندئذ يتمكن مفكرو لبنان من الانتاج الخلاق المبدع، فيؤدون رسالة بلدهم التاريخية ويعكسون بافكارهم وتعابيرهم صفاء جوه وبعد افقه وجمال مناظره وجلال جباله وعذوبة مائه، ويستمدون الهامهم من تقاليده وتاريخه وما فيها من دواعي الفضيلة والحقيقة والجمال التي تقرب من الله ومن الكمال الانساني. وتبارك الله الذي خلق لبنان وأبدع.
