تطفح صحف بلاد العرب وتلهج ألسن منتدباتها بالتقارب الاقتصادي والعسكري بين بلاد العرب وتخصص اكثر بحوثها في هذا الحقل من الابحاث التي تهم ابناء الناطقين بالضاد وتعالج بكل اهتمام هذه الناحية الخطيرة في التعاون المجدي بين هذه البلاد التي تربطها روابط الدم والتاريخ واللغة والجغرافية وكل شيء يجب ان يؤلف منها وحدة كاملة غير منقوصة، ولكن الذي رعى انتباهي ، وهو موضوع كلمتي هذه ، ان الاهتمام بالتقارب الادبي والروحي ضئيل جداً بل ويكاد يكون مفقوداً فالصلات الاقتصادية والتعاون العسكري والتبادل التجاري لا يمكن ان يكون لها اثر فعال ما لم يكن هناك تعاون فكري اصيل يجعل بناء هذا التضامن كاملاً قوياً رصيناً .
اننا نجد مؤتمرات تجتمع واخرى تنفض
ومناهج توضع وغيرها تحور وتبدل اكثرها ترمي الى تنظيم التجارة وتبادل المنفعة المادية وتأسيس وسائل الدفاع وغيرها من الامور التي لا تخرج عن نطاق المادة ومحورها ولكننا لا نجد بين هذه الحركة المباركة رائحة من روائح التعاون الواقعي الثقافي والعلمي او التقارب الفكري . انها نقيصة يجب على بلاد العرب ان تتلافاها وتهتم بها اهتماماً بالغاً فبدون ذلك كل ما يتم اليوم لا يخرج عن كونه حبراً على ورق او انه عمل بدأ يتلاشى ما دامت روحية هذه الاقطار بعيدة عن فهم
بعضها البعض وادراك روحيتها من هواجس وميول وغرائز .
خذ مثلاً حركة المرأة في الاقطار العربية بالرغم من جهود الاتحاد النسائي العربي في توحيد صفوفها وبالرغم من انها حركة نشيطة مهيأة لكل خير الا انها جهود متفقة لا يجمعها جامع واحد بين هذه الاقطار واذا تفرقت الجهود ضؤلت قوتها وتلاشى مفعولها ، فالضرورة تقضي بمضاعفة الاتصالات للجمعيات والهيئات النسائية لهذه الاقطار ووضع خطة موحدة عملية لتوحيد اتجاه سير حركة المرأة وتحريرها مما ترسف به من اغلال بالية وقيود لم ينزل الله بها من سلطان ولا تأتلف مع ضرورات حياة اليوم
ومع اننا نحن للحركة المباركة التي تبلورت فاوجدت الدورة الرياضية للبلاد العربية فاننا نجد ان الاتصال بين الهيئات الرياضية للبلاد العربية ضعيف جداً وهو اضعف بكثير من الصلات الرياضية بين كثير من البلاد التي لا تربطها الروابط القوية كما تربط البلاد العربية بعضها ببعض فمن الواجب المحتم ان يكون هناك اتصالات مستمرة في حقل الرياضة البدنية وتعاون وثيق بين فرقها وتزاور مستمر بين مختلف هيئاتها ليكون في هذه الاقطار جيل قوي مؤمن برسالة يسوده التعاون الصحيح ويربط بعضه ببعض اخاء متقد في القلوب والنفوس :
وما يقال عن الهيئات الرياضية يقال كذلك عن هيئات الثقافة من مدرسين وكتاب وادباء وشعراء . ان التقارب بين
هذه الطبقة المستنيرة المتسامية بفكرها وادبها وعلمها هو اهم بكثير من التعاون المالي والتجاري والعسكري لان تعاون الحقول التي ذكرتها يتيح حتماً التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري فكل بناء يراد انشاؤه في حقل التعاون العربي يكون منشأ فوق الرمال او في الهواء ان لم يكن اساسه ومستنده التقارب الفكري ووحدة الشعور والاخاء المتشبع في النفوس والارواح .
ان في خيب ما قامت به الجامعة العربية والهيئات السياسية بصفة رسمية في هذا التقارب يجب ان يكون هناك تعاون شعبي من الجمهور وهو الذي نرمي اليه في كلمتنا هذه لتتم رسالتنا من كل جهة وناحية خاصة ان نهضات الجماهير هي التي تسمو الى المقاصد النبيلة والاهداف الرشيدة .
فمثل هذا التعاون والوحدة ادعو من بلد الاشعاع والحرية معهد الثقافة والحضارة لبنان الاشم الذي كان دائماً في طليعة البلاد العربية عملاً بنشر الثقافة وتعميمها وتبني النهضات العتيدة التي اخذت بوادرها تظهر في مختلف الاقطار العربية والتي نرجو ان تتوج بالتعاون التام بين هذه الاقطار المحبوبة والله ولي التوفيق .

