

« تعرف الى بلادك » ، « قطعة من تاريخك » ، « ما يجب ان تعرفه عن البلاد الشقيقة » ؛ هذه هي الاركان التي كان يلذ لي سماعها ، وكنت ادعو اولادي للاصغاء اليها من محطة الاذاعة السورية . وكم تمنيت لو تدخل محطات الاذاعة في سائر البلدان العربية أركاناً مماثلة على برامجها ؛ بل كم وددت ان ارى بين مقررات المؤتمر الاذاعي الذي عقد مؤخراً في القاهرة ، ما يحمل الجامعة العربية على تبني هذه المهمة بواسطة الدعايات والنشرات !!
انه لمن الواجب علينا نحن الذين ندين بالعروبة ، ونحمل مشعلها ونجعلها « فوق الجميع » من الواجب علينا ان نعمل جادين بشتى الوسائل ، لتعريف الاقطار العربية بعضها الى البعض الآخر فلا تقصر اهتمامنا بها على مآدب ولا ثم نقيمها تكريماً لمن يصطاف من سكانها في ربوعنا ؛ ولا نكتفي بما تكتبه صحفنا عن امرائها ، وثرواتهم البالغة ، والمبالغ التي يصرفونها في شراء القصور ، والهدايا ، والسيارات ؛ او في سبيل « الترف والكيف » .
علينا ان نكون بنائين فيما نكتب ، ننتقد ونوجه حيث يجب التوجيه ، ونثني حيث يلزم الثناء ، وغايتنا دائماً وابداً ، ان لا يكفر اولادنا بالعرب والعروبة ؛ نريدهم ان يتحققوا ان هذه الامة العظيمة التي قسمها الاستعمار الى دويلات صغيرة ، لا بل الى « امم كبيرة » وادخل الحواجز المصطنعة الى الحدود والعقول ، وبالغ في وصف التباين في التفكير وطرق العيش ، وزرع الخوف والحذر وعدم الثقة بالرؤوس ، نريد هذا النشء ان يؤمن بان هذه الامة العربية النبيلة التي ينتمي اليها ، وقد تيسرت لها ، اليوم ، الفرص ، وتوفرت لها الامكانيات من علم ومال ، ستبعث من جديد ، امة حية متحدة الاجزاء والقلوب . وان التآخي والتفاهم الذي تقرأ عنه بين الرؤساء والحكام ، سيتبعه حتماً ان شاء الله تآخ وتفاهم واتحاد بين سائر الشعوب العربية .
أليس من العار علينا ، ان يعرف اولادنا عن فرنسا ، واميركا ، وانكلترا ، وغيرها من بلدان الغرب ، اكثر مما يعرفون عن الحجاز ، واليمن ، ومراكش ، وتونس الخ ... ولماذا لا تدرس مدارسنا الخاصة منها والحكومية ، تاريخ وجغرافية هذه البلدان « المجاورة ! » الى جانب تاريخ تلك ولا
اقول بدلاً منه ! وكم تمنيت ان يسمح لي وقتي ، فأتفرغ لجمع المعلومات ، واساهم ولو بقسط قليل صغير في واجب التعريف الذي سبق واشرت لضرورته .
... وكانت صدفة سعيدة ، ورب صدفة خير من ميعاد ، تلك التي اتاحت لي التعرف بحضرة الشيخة بدرية ، قرينة سعادة الشيخ فهد الصباح . والشيخة بدرية ، تعيد الى الذاكرة صورة عن الاميرات العربيات المثاليات ، اللواتي لمع اسمهن في تاريخنا عبر ادواره المختلفة : ـ لهجة عربية صادقة ، شخصية جذابة قوية تواضع رفيع ، ايمان بالنفس ، ذكاء فطري وقاد ، اطلاع واسع ، تفهم لمشاكل العالم عامة ، ولمشاكل البلاد العربية خاصة ، عمق صحيح ، المام عارف خبير بتاريخ بلادها القديم والحديث . ولقد وفقت بفصاحتها وصدق تصويرها فحملتني على اجنحة الخيال ، الى الكويت ، وجعلتني اشاطرها فخرها واعتزازها بنهضة بلادها !
ابتدأنا حديثنا كالمعتاد ، وكما هو مفروض بين شخصين لم يتعارفا من قبل ، بالحديث عن الطقس وعن الصيف في لبنان . ثم سألتها ان تحدثنا عن الكويت وعن وثبة الكويت . وكأني بالاميرة بدرية وهي تجيب طلبي ، تردد في نفسها : « حديثه او حديث عنه يطربني » اذ انها انتصبت في كرسيها وقالت :
« اشكر لحضرتك اهتمامك ببلادنا وتشوقك لمعرفة احوالها ، وافساحك لي مجال التحدث بما اود ان يسمع سائر اخواننا اللبنانيين . يؤسفني ان اقول اني كلما تصفحت جرائدكم اتألم جد الألم ، فهي اذ تكتب عن الكويت ، تكتب وتمجد رجالات الكويت فقط ، وتضرب صفحاً عن نهضة الكويت ، وعمران الكويت ، وتقدم الكويت ، مما جعلني في كثير من الاحيان اتوقف عن متابعة القراءة . نحن لا نريد ان نمجّد ، نريد ان نمجّد بلادنا ونرفع اسمها عالياً . نريد ان يعرف الجميع ان الكويت بلاد الرمال المحرقة ، قد اصبحت بفضل الله ومنه ، وسهر حاكمها وتقواه ، جنة في قلب الصحراء ، جنة لبنيها ولشعبها حيث
