
- «ألا تنامين قليلاً وتستريحين»؟
وهزت رأسها في بطء وشرود، فما تعرف فرقاً بين نور او ظلام، وسيان عندها، أغردت الطيور ام صمت، أبزغت الشمس ام غطست!
وانحنى زوجها حتى حاذت عيونه عيونها واخذ رأسها بين يديه وقال: «اطلقي سراح دموعك فلعلها تطلق سراح ألمك»!...
فقالت في انفعال: «ليتني أستطيع يا رشيد، فاخفف عن نفسي اختناقها البطيء! ثم انت يا عزيزي، فلك عمل ينتظرك في الصباح»..
وعندما سمعت صوت اغلاق باب غرفة النوم، تنهدت بأسى وقامت فجلست الى النافذة تحدّق في الظلام. ولم تستطيع عيناها المتعبتان ان تريا الحجر الابيض او الزهور النائمة التي تلوّنه، فاغمضتها وانتظرت!..
ولاح لها الطيف الابيض اخيراً واخذ يرف فوق احواض الحديقة ويقترب من النافذة ماشياً طائراً محاولاً العبور الى الداخل وهو يصرخ مستنجداً: «الي يا ماما، ان حلقي يؤلمني واكاد اختنق».
فضربت ذراعيها في الفضاء ثم ارتدت لاهثة مرتجفة لقد اختنق الصوت واختفى
الطيف وعاد السكون المخيف يكبل انفاسها. فهمست بصوت متهدج:
«متى ستتمكنين من الدخول وعبور النافذة؟ متى ستعودين الى ذراعي يا خلود؟ انها لا شيء بدونك وحجري فارغ!»
وروّعها الصمت الساخر الذي اعقب كلامها فصرخت واجفة: «رباه، متى ستطلبني الى جوارك؟ ان من احب عندك، فخذني الى عند من احب»..
ولم تشعر الا وزوجها يقف معها، هازاً إياها بقوة سائلاً: «من تخاطبين يا نجوى؟ أتكلمين الليل ام السكون؟»
ورفعت اليه نظراً أهبه الالم ولم تحر جواباً....
وعاد يقول بصوت أرق:
«نجوى، كلميني انا، فانا زوجك الذي يتنفس بحبك ويحيا به.» فتحسست حلقها وقالت ببأس: «وما جدوى الحديث معك؟ لقد نسيتها ولم تعد تذكرها ولن تدعني اتكلم عنها»
فاحاطها بذراعيه وقال وعيونه تلتمع بالدموع:
«وكيف انسى خلوداً يا نجوى؟ اني اسمع صوتها في كل حركة وكأنه اتخذ من افق سمعي مكاناً وملاذاً، وارى طيفها في كل منظر وكأنه اختار مد بصري له حمى ومزاراً..... ولكني
لم انسك يا نجوى، لم انس ان وجودك بات عزائي الاكبر على فقدها، وان حياتك باتت اغلى من كل غال ثمن!
ولاذت بصدره تبكي عليه بكاء لا كالبكاء، جافاً لاهباً!..
«اريدها ان تعود اليّ يا رشيد، ان صدري خائف مذعور يطلب دفء جسدها الصغير وقلبي يبكي الم فراغ مخيف لا يعرف قسوته سوى الامومة الثكلى! لم انعم الله ووهب بعد طول عقرة وحرمان فسقى نفسي الماء المقدس فسكرت وانتشت! لقد اندلع ذاك الماء وجف يا رشيد واحس بظمأ اشد فتكاً واعمق هولاً! أتذكر كيف استخفك الفرح يوم رأيتها وهي بنت ساعة، فرحت تقبلني راقصاً طروبا وقبلاتك تتساقط متلاحقة على شعري وعيوني ووجنتي؟
أتذكر كيف نظرت الى ملاكنا برهة وهتفت: سنسميها خلوداً يا نجوى، فهي الخلود لنا! وماذا تظن اني كنت اسقيها مع لبنها واطعمها مع طعامها؟ لقد سقيتها دم مهجتي مع كل ضمة وقبلة واشبعتها عصير روحي مع كل نظرة ولفتة......
أتذكر كيف صرخت بالطبيب كالمجنونة يوم مرضت مرة وطلبت اليه ان يفعل المستحيل لشفائها وكأنه الله يهب ويعطي؟ لقد حدجني بنظرة قاسية وقال: اني انسان مثلك وسأعمل بقدر قدرة الانسان!... وشفيت وقتئذ وارتد قلبي راضيا الى ضلوعي ولكنه اليوم
