يدور بين جنبي هائجاً فزعاً يطلب من عاش فيه واستكان اليه ... يا ليت الصمم يصم اذني عن صوتهما الصارخ المستنجد ... وقل لي بربك كيف السبيل الى نسيان صورة وجهها يحمر ويحتقن ويدها تعتصر حلقها الملتهب وهي تهتف : « امي ، ان حلقي يؤلمني واكاد اختنق ! .. » .
وراحت غصة ألم كبيرة تضغط على حلقها وترتفع مع انفاسها فتخرج أنة موجعة تهزها ، وقبل ان يرفع زوجها منديله تهافتت دموعها المحتبسة تجري على خديها وتتهاوى كمطر مشتاق الى جوف الارض ...
زادت في إطباق اجفانها تبعد عنها أشعة شمس العيد ، فما تريد العيد وبهجته ورنينه ، لقد احبته مفرحاً مضحكاً لمن افرحتها واضحكتها وليس جامداً كالحاً مذكراً اياها بمن ذهبت قبل ان تلقى العيد ويلقاها .
« خلود ... لم لا تدخلين علّي وبين يديك فرحة العيد وفي عينيك اشراقته ؟ وثوبك الجديد الذي علقته بيدك واستحلفته ان يقبع في الخزانة وينتظر ماذا تريني فاعلة به ؟ لقد لبست التراب بدلاً منه واستلقى عليك القبر بارداً ثقيلاً يحرمك النور والنَفَس ... » .
وهالها الكلام مع نفسها وأفزعتها الحقيقة ففزعت الى ركن زوجها تطلب الفرار ولكن اين مضى ؟ ومن النافذة رأته يدور بالماء على زهور الحديقة ويتلمسها بلهفة ولطف .. وخرجت الى الحديقة وهي تضغط على رأسها تخنق فيه
صداعاً ثقيلاً موجعاً ووقفت الى جانب زوجها صامتة حائرة ..
ـ كل عام وانت بخير يا نجوى ..
سقطت القبلة على خدها فابتسمت بوهن وقالت :
ـ وانت بخير يا رشيد ...
وعادت تقول بوجوم :
ـ اني اكره هذه الازهار فهي لم تمت مثلها ولا تزال ندية نضرة .. أواه يا رشيد ، كيف جرؤ العيد على القدوم وهي في بطن الارض ؟ ..
ـ أتكرهين الازهار التي كانت تستنشق عبيرها صباحاً وتقفز حولها عشية ومساء ؟ عجباً ! أتكرهين هذه الورود الوفية التي ترضخ للمقص وترضى بالاحتراق البطيء تحت الشمس لتجلل قبرها وتؤنسه ؟ واما العيد فأهلاً بصوت الله ومرحباً برحمة السماء ! ..
واعتراها خجل شديد فهمست وصوتها كالخفيف :
ـ آسفة يا رشيد ان الالم غلفني بالانانية وملأني بالكراهية لكل حيّ يتنفس .. بربك هيا بنا اليوم الى اي مكان خارج البيت فالوحشة تضيق عليّ الخناق ! .
واذ رأى عمق اللوعة يذبلها ، ضمها اليه بشدة حانياً ملهوفاً ثم قال :
ـ هيا بنا يا حبيبتي والى اي مكان تريدين ...
ومسحت الطبيعة جبينها بحفنة من نسيم لطيف فاسترخت مرتاحة النفس
واستكانت الى ذراع زوجها ترقب الخضرة الزاهية والزرقة الصافية وحلالها الصمت والهدوء فراحت افكارها تعب منها ترتستريح ...
ـ نجوى ، بماذا تفكرين ؟
واجفلها السؤال المفاجيء فتمتمت :
ـ بالحقيقة لا افكر بامر معين ... واني لأشعر براحة الآن واطمئنان ...
ـ تعالي نتحدث والحديث بين يدي الطبيعة جميل . دعينا نبحث امراً معيناً كسماع تغريد طفل مرة اخرى في بيتنا مثلاً . ماذا تقولين في هذا ؟
رطبت شفتيها الجافتين وقالت بخفوت :
ـ أطفل امرأة غيري تعني يا رشيد ؟
فأخذ يديها بين يديه وأطال النظر في عينيها قبل ان يقول :
ـ هذا ما اعني تماماً ، نتبنى طفلاً نهش جوع اليتم قلبه فبات الحب له ألزم من الطعام او نضم الينا جسماً اخله الفقر فيكون معنا ولنا وان لم يكن منا ! بربك قولي نعم يا نجوى ؟
ولكن أهكذا سريعاً ولم يمض على موتها عام ؟
فأرخى يديها بيأس وقام من مكانه يمشي عنها مبتعداً وعن جدار الجليد الذي احاطت به قلبها وعن رنين القسوة الذي مزجت به كلامها ! وعاد الخجل يعتريها ويصبب على جبينها العرق فهمست لنفسها واجفة :
« أهدني إلهي سواء السبيل فقد بت
( البقية على الصفحة ٤٢ )
