قصة الشهر
عمياء لا ابصر ما يبصر الناس من شر وخير ... » .
لم أصبح شيء من الاغبرار يبدو مع نصوع الطيف الابيض الصغير ؟ ولم اصبح الطيف يقف بعيداً عن النافذة لا يحاول العبور ؟ وصوته لم اصبح خافتاً راضياً لا يشكو الألم ؟ أهل بدأت « خلود » تنسى زيارات الليل وتنصرف شيئاً فشيئاً الى دنياها المجهولة العالية ؟ ..
قبضت على النافذة تمالك نفسها وهي ترى شبحاً ابيض يمشي . انه يقترب من الباب وليس من النافذة ! لم تستطع الوقوف اثر رجفة شديدة تمشت في جسمها وخانها نداء زوجها فانتظرت !.
وقرع الباب مرة اخرى فلم تحرك ساكناً !
خرج زوجها من غرفته والعجب من سكونها يتكلم في وجهه ! لم تلتفت الى الباب ولم تر الطفلة الصغيرة الواقفة عنده ولكن سمعت صوتاً رقيقاً يسأل بكاء :
- هل استطيع الدخول لحظة ؟
وارادت ان تقفز وتركض نحو هذه الدخيلة صارخة :
« لا لا ، فانك طيف كاذب يخدع النظر ! ... » ولكنها قامت بهدوء ومشت الى الباب تتأمل السائلة من وراء زوجها الذي افسح الطريق للصغيرة واستوضحتها امرها :
« انكما لا تعرفاني ولكن ربما تذكران امي « ام صابر » التي كانت تغسل الثياب لأهل هذا الحي ... انها .. غادرت البيت في رحلة طويلة قبل ايام لتلحق باخي و ... » .
وبكت، فعلا النشيج بالبيت الذي ضحك فيه الموت قبلاً وأبى الا ان يحتفظ بالصدى !.
وتمالكت الطفلة نفسها وتمتمت :
« لم أستطع البقاء في البيت وحدي فالخوف يكاد يقتلني ... »
ثم دارت بعينيها النجلاوين وسألت بلهفة :
« اني اذكر انه في هذا البيت طفلة صغيرة وعدتني بثوب جديد . لا اريد ثوباً بعد اليوم ولكن هل تسمحان لي بالبقاء عندكم بضعة ايام حتى يذهب عني الخوف ؟
ورفعت انظاراً ضارعة الى نجوى وقالت :
« سأكون خير عون لك يا سيدتي على عمل البيت ولن اطلب لقاء عملي درهماً ، فلا اريد شيئاً سوى الاثنتاس فانا وحدي ! .. » .
وخيل لنجوى ان الدنيا باجمعها ترقب جوابها والانسانية بعظمتها تحدق بشفتيها وزوجها بعواطفه وقلبه ينتظر جوابها فرفعت رأسها عالياً وقالت بابتسام وهي تمسح عيون الصغيرة اليتيمة :
- سأكون جد سعيدة بوجودك معنا ولن تكوني وحدك بعد اليوم . واما الطفلة التي سألت عنها فقد ذهبت في رحلة ايضاً ومن يرحل لا يعود أليس كذلك يا صغيرتي ؟...
وفهمت الطفلة، فانحنت على يد نجوى تقبلها وتبذل جهداً جباراً لصد دموعها المنهمرة ...
- انك اذاً خائفة مثلي ؟
- خائفة ؟ نعم . اذا كانت الفجيعة باقسى طعناتها تسمى خوفاً ! لن نخاف بعد اليوم . أنظري ، ان الليل حالك السواد ، ولكن ليس لليلنا بعد اليوم ظلام ! أليس كذلك يا رشيد ؟.
ورد الزوج على السؤال بضمة احاطت الاثنتين وازدادت قوة وحنواً عندما اردفت زوجته :
- هل يُعجبك اسم « خلود ؟ ... » سندعوك به فاننا ... نحبه .

