روّعت الاوساط الادبية في لبنان الاحد في ٢٧ ايلول بنعي اديبتنا الكبيرة السيدة سلمى صائغ تلك السيدة التي سجلت في تاريخ لبنان الادبي ، في الربع القرن الاخير ، صفحة مشرقة ناصعة ، تكفل لها المجد ما بقي في لبنان قلم ينثر الكلمات لآلئاً وخمراً ...
من كان يصدق ، ان تلك السيدة الانيقة الساحرة الشخصية ، يجرؤ عليها المرض ، بهذه القسوة الوحشية ويتركها بعد تسعة شهور من الاوجاع كومة مهدّمة تنسلخ لها القلوب ... وتبقى مع هذا كله ، مواظبة على لباقتها ورفيع تهذيبها ، تحدث وتعلق بفنها الانثوي الفريد وبوعيها الكامل ، حتى الرمق الاخير ، يهددها امل خادع ، بشفاء قريب يُرجع اليها عافيتها وقواها ! ... تبارك جبروتك يا الله ! ..
شُيِّعت الفقيدة من دارها ببيروت الى كنيسة مار الياس بطينا بموكب حافل مهيب ضم النخبة الممتازة من اهل العلم والادب اشتركت فيه الهيئات الحكومية والمنظمات النسائية ، ونعتها محطة الاذاعة اللبنانية اديبة رفعت اسم لبنان في الوطن وفي المهجر واستحقت شكر وطنها بوسام مذهب ، ونعتها ايضاً جمعية « اهل القلم » والاتحاد النسائي العربي العام ، والندوة اللبنانية ، جامعة الهيئات النسائية وجمعية « النهضة » . وقد ابنتها املي فارس ابراهيم وزاهية ايوب وجورج باز وصلاح الاسير.
كانت حياة الراحلة العزيزة سلسلة من الجهاد الطويل المستمر ، في خدمة اللغة العربية ، عن طريق تهذيبها واخراجها في ادب صاف انيق قلّ ان جاراها فيه قلم نسويّ معاصر . وخدمت اللغة عن طريق تقريبها الى افهام النشء الطالع وتحبيبها اليهم . وقد فقد الادب النسوي العربي بفقدها درّة في جبينه ، ومدعاة لزهوه وخيلائه .. تركت لنا عدداً من المؤلفات النفيسة المطبوعة والمخطوطة اهمها « النسمات » و « صور وذكريات » .
ولستين خلتا كانت فقيدتنا سلمى صائغ لمجلة « صوت المرأة » دعامة وعضداً ، وما كان عطاؤها الادبي ليشحّ دفقه ، لولا يد الداء العضال ، تعتصر بلارحمة الحشاشة الرفيقة وتسلبها ماءها وحيويتها .
وللقضية النسوية كانت سلمى صائغ جندي الطليعة ، دافعت عنها منذ الطلقة الاولى حتى اعلان الهدنة بالامس وفوز المرأة باول نصر راهن .
لا ريب ان مصيبة وحيدتها السيدة عابدة لبكي مع زوجها الشاعر صلاح لبكي بها عظيمة ... ومصيبة الادب بها عظيمة ، ومصيبة المرأة اللبنانية في مؤسساتها ومجلتها ... عظيمة ... لنا جميعا اجمل العزاء بفقدها ولحبيبتنا الراحلة الجنان المنورة الرحبة تحلق فيها بروحها المتسامية المتفانية وراء الخير والجمال ...

