جلست وداد على شرفة منزلها منهكة في تطريز الفستان الذي ستلبسه يوم عرس صديقتها اسماء . هي الآن وحدها في المنزل لان والدتها ذهبت لتزور والدة اسماء ولتستطلع اخبار العريس المقبل ، جرياً على عادتها في كثرة الفضول . وكأن تقدمها في السن لم يزدها الا فضولاً ورغبة في الزيارات ، تجد فيها مصرفاً لعواطفها ، ووسيلة لارواء عطشها الى اخبار الناس .
والقت وداد نظرة على بيت اسماء الذي لا يبعد عن بيتها الا قليلاً . « اسماء » عشيرتها وصديقتها منذ الطفولة . رفيقتها في المدرسة وخارجها ، التي انفقت وايها معظم اوقاتها وشكت لها افراحها واتراحها ، ستفارقها اسماء بعد مدة وجيزة لتقترن بخطيبها « وفيق » بعد خطبة دامت عدة سنوات .
جلست وداد مجتهدة في تطريز الثوب وهي تتصور يوم العرس : ستظهر اسماء جميلة في ذلك اليوم ، قد يكون ذلك لأول مرة في حياتها ، لان الفرح يزيد الوجه اشراقاً ولا بد للثوب الجميل الذي خاطته في بيروت ان يحدث تأثيره . ولكن .. من يشك في ان وداد التي ستقف بجانبها ستكون اجمل منها بما لا يقاس . انها تعرف هذا وتؤكده لنفسها لأن الناس ما تحدثوا مرة عن وداد الا نعتوها بالجميلة ، وما مشت مرة بجانب اسماء الا ظهر الفرق بين الفتاتين : فهي طويلة شقراء دقيقة الملامح ورفيقتها قصيرة قاتمة اللون غليظة الشفتين . ولكن لا عجب ان تتزوج اسماء قبلها ، فصديقتها تكبرها بسنتين او اكثر . وهي فوق هذا ذات ثروة ترثها من والدها ، بعكس وداد ...
لقد شاءت الصدف ان تكون اسماء وحيدة اهلها ووريثتهم في حين ان لوداد اخوة ينفق الوالدان عليهم جميع دخلها فلا يبقى للفتاة اي امل في الحصول على بائنة او جهاز او مال يجذب الخطاب ... ربما فكر بعض الشبان الفقراء في خطبتها لكن لها اماً عنيدة لا تزوجها بفقير وهي لهذا آلت على نفسها ان تصبر وتجاري امها وتنتظر الفرج يأتيها من خطيب غني يرضي كبرياء والديها ويحقق رغبتها في العيش المترف .
عجبا ... كيف تختلف الحظوظ عند رفيقتين متقاربتين في السن ، متشابهتين من وجوه كثيرة ، لفرق بسيط خطته
بينها يد الاقدار: ان احداهما وحيدة والاخرى ذات اخوة..
على ان اسماء - رغم المركز الفريد الذي تحتله ، ورغم تسابق الشبان الى خطبتها - لم تبلغ امنيتها بسهولة . ولو كانت وداد مكانها لتزوجت منذ عهد بعيد . لقد مات والد اسماء شاباً وعاشت الفتاة في ظل ام صعبة المراس لا تفتأ شاكية متبرمة . وقد تكاثر طلاب الفتاة منذ ان بلغت السادسة عشرة لكن الذي اعجب باسماء لم يرض امها والعكس بالعكس . فالأم تريد صهراً ذا مركز اجتماعي مرموق - وفوق هذا - لطيف المعشر حسن الملابنة ، تستطيع السكن واياه تحت سقف واحد . اما اسماء ففتاة خيالية تريد شاباً مثالياً يشبه ابطال القصص في رجولته ونبل اخلاقه ولا يهمها كونه غنياً او فقيراً .
وحدث مرة ان خطب اسماء شاب غني قليل العلم يدعى « رامز » لم تعجب به اسماء ، ولكنه اعجب الام بحسن طلعته وبشاشة وجهه ودماثة خلقه فقررت ان تصاهره . وبعد اخذ ورد ومشاحنات قامت بينها وبين بنتها تغلبت ارادة الام ورضيت اسماء ان تتزوج بالغني نزولاً عند رغبة امها . ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان . فقد جاء القرية رجل من اقارب الخطيب ودله على فتاة في قرية مجاورة ، تفوق اسماء ثروة ، فما كان من رامز الا ان ذهب مسرعاً الى القرية المجاورة وبعد ان اقتنع بصحة قول نسيبه عقد قرانه على الفتاة الجديدة بين ليلة وضحاها ، غير عابئ بما اثاره في والدة اسماء من غيظ واستنكار وفي ابنتها من نفور واشمئزاز .
بعد هذا الحادث قررت ام اسماء ان لا تتدخل في زواج ابنتها وان تدعها تنتقي من تريد . ولنفور اسماء من خطيبها الاول قررت ان تتزوج من فتى فقير الحال ، عركه الدهر ، تستطيع الركون الى وفائه وتضع ثقتها فيه . فوقع اختيارها على فتى يدعى وفيق المؤدب ، افلس والده في التجارة ، فلم يتح للصبي اتمام دروسه في الجامعة ، فحرضته اسماء على متابعة الدرس واعطته من المال ما مكّنه من تسديد نفقاته . وحين حصل على الشهادة اخذ يتسلم الدعاوى المهمة وهو على اتفاق تام مع عروسه وسيعقد لها قريباً .



