ما من أسطورة تداعب خيال الانسان — منذ وضع الرب الرجل والمرأة وجهاً لوجه — كأسطورة قيس وليلى ، روميو وجولييت ، تريستان وايزولده — أسطورة الحب الخالد يطبع في قلب الحبيب صورة محبوبة حتى اذا ما وقعت عينه عليه ، عرفه — اذ تعرف الى ذاته فيه — واصبح ملكاً له في الزمان ، وما بعد الزمان .
وعبثاً تتحالف قوى الموت على الحب ، فالحب هو اقوى من الموت والحياة .
عبثاً تثور الارض على السماء ، عبثاً يفصل الناس بين ما وحده الرب ، فسيعيش الحبيبان ذاتاً واحدة في صورتين ، ان لم يكن هنا فهناك ، هناك حيث تتآخى الارواح في نشيد الهي أفقه اللامتناهي وزمنه الأبد .
ولم لا ؟ أليس الحب صورة السماء في الارض ، والجمال حلم الارض بالسماء ؟ او توجد قوة بوسعها ان تملأ سعادة فراغ هذا القلب — قلب الانسان غير المحدود — سوى الحب .
هي أسطورة الحب ، منذ ان كانت الاساطير ...
في خيال الشاعر ، المرأة إله يعبد ، وشيطان يخشى . فراشة لونها نسيج الاثير ، وحركاتها رف اجنحة الملائكة . بنت الاحلام ، ترى ولا ترى ، الجمال تجسد صورة . والحب انسكب نفحاً .
ولكن احذر ان تمسها ، ففي وردها اشواك ، في مذاقها حنظل وسم ، في جسمها الأهيف افعى هي لك بالمرصاد . او لم تنطق الحية بلسانها ؟ او لم تتحالف مع ابليس لتطرد آدم من الجنة ؟
الانوثة الخالدة ، لغز المرأة ! أهي إله منقذ ام منقذ الغواية تجلت بشراً ؟!
سحر وكل ما يسحر يميت ..
قد تخشاه وتخر امامه ساجداً ، ثم تغيب في اغواره ، ويسدل الستار عن مسرحية وجودك ...
هي أسطورة الخيال كالخيال ...
في العقل تتعادل الموجودات كالارقام ، المرأة عدد فكما ان ( ١ = ١ ) كذلك يجب ان تتساوى المرأة بالرجل .
ولم لا ؟! ألم تصبح في القرن العشرين ، عاملة في المعمل ، وخطيبة في المجلس ، ربة القلم وقائدة الجماهير ، ينصاع لها الحديد كما ينصاع لها المنبر ، وتتلاعب بالافكار كما تتلاعب بالعواطف ؟
ألا تمشي الآن على قدم المساواة مع الرجل ؟
ولم لا ؟! أليست كائناً حياً ، ناطقاً ، عاقلاً ؟ هذا رأي العقل لا رأي الخيال . ومنطق لا منطق العواطف . وكيف يناقش العقل ؟ وباسم من ؟ باسم الجهل ؟ أوليست المدنية من ابداعه ؟ افتكون في صفوف الرجعيين ؟
هي أسطورة العقل ، سيد الاساطير ...
المرأة معنى الجمال ، ونشيد الحب ، وسحر او سر الحياة — كما تريد — المرأة شيطان وإله — دون الرجل او فوقه — خفيفة وقوية ... في المعجم من المتناقضات والمترادفات ما لا ينتهي وكل ينتخب منها ما يرضي غروره .
ولكن كلها تقف عند حدود الحقيقة فتنسج على اطرافها أخيلة تنمقها او تشوهها دون ان تنفذ الى صميمها .
والعقل هو المسؤول عن هذا التشويه لأنه اذ يحلل الحياة ويعزل اجزاءها عن بعضها البعض — يفسح المجال للخيال ، يركبها كما يريد ؟ فتتكون الأساطير ...
المرأة ليست حلماً ولا خيالاً ، ولا أسطورة ، ولا هذا القسم من البشرية ذي الحق المنقوص ، كما يقولون اليوم . والحقوق ليست هبة الانسان للانسان ، يحجبها او يمنحها تبعاً لمشيئته . أما الحقوق هبة الرب ، بها نسيج بنيان الانسان .
واذا كان الرب قد خص الرجل بالعقل ، فقد اعطى المرأة ما هو اسمى من العقل ، اعطاها الحياة .
« ودعيت حواء لأنها ام الاحياء » هكذا يقول الكتاب . والمرأة بنت الحياة البكر ، والمظهر الأول لتجليها .
العقل والحياة ضدان متكاملان .
هو يحلل ويبدد ، وهي تركب وتجمع .
هو ينظم وهي تبدع ، تبدع ذاتها احياءً .
الحياة ضعيفة حركة واحدة ترديها ، ومع ذلك فهي نصر مستمر على الفناء . انها بحاجة الى ذراع قوية تعنى بها وتصونها ، ومع ذلك فهذه الذراع ليست الا غرسة من اغراسها .
عبثاً يغري الخيال الرجل فينصب ملكاً يوزع الحقوق والواجبات . عبثاً تثور انانية الرجل فيستأثر بقوى العالم : المال والجاه والجيوش والعلم . فالغرور والطمع والكبرياء ، وكل قوى الارض تنهار امام صمت الحياة .
