المطر يهطل بشدة وذرائه تنقر باصابع موسيقية على زجاج النوافذ ، وايدي الرياح تتلاعب بحبات المياه اللؤلؤية فتذروها هنا وهناك . والطبيعة قاتمة ، ساكنة ، والسحب الدكناء تغطي صفحة السماء . آه انه نفس الطقس ونفس اليوم ... هذا ما كان يجول في خاطر علياء وهي تلصق وجهها الشاحب على زجاج النوافذ البارد . لقد امضتها الذكرى فهي ترى فقعات المياه تفور عند استلامها باسطحة المباني كما يفور قدر كبير فوق نيران حامية .
انه نفس المنظر . الشارع الساكن الهاديء ، والمباني الشماء التي تتحدى غضب الطبيعة وثورتها . والسيارات تزحف حذرة في هذا الفيض الهاطل من السماء كما تزحف سلحفاة ضائعة امضها القيظ في صحراء واسعة .
يا للذكرى ما اروعها ، احقاً قد مضى عام كامل على ذلك اليوم الذي تبددت فيه آمال الشباب وافراح الصبي واحلام الحب . أذهب كل شيء مع ذهاب ذلك اليوم ؟ . اخذت صور الماضي باحداثه ووقائعه تمر في خاطر علياء وتتابع كما يتتابع شريط على الشاشة البيضاء . ها هو احمد عند بدء تعارفهما . انها في الكلية معاً جنباً الى جنب لقد كان شاباً حبيباً مهذباً يطيل اليها النظرات ، وعندما تتقابل نظراتها يخفض نظره بسرعة وتحمر
وجنتاه ، يلبي لها اي طلب او اي اشارة تصدر منها وكثيراً ما تعمد اسقاط منديلها فينحني بسرعة ويقدمه لها ! وكان يمد لها يد المساعدة والعون في كل مناسبة وهكذا أحب احمد علياء حباً صامتاً جباراً واخذت هي تشعر بهذا الحب وتنزّل به غير ان ما كان يغيظها منه عدم تلميحه لها باي اشارة عن ذلك الحب . ولو اثير موضوع كهذا عندما يكونا معاً ينسحب بسرعة او يغير الموضوع بلباقة ولطف . وهكذا مرت الايام تتتابع وحبها في ازدياد لم يبح لها ابداً ولم يفصح عن مكنون سره . غير ان في كل نظرة وكل حركة قصة كاملة عن ذلك الحب العميق .
اخذت دموع علياء تهطل مدراراً كما تهطل السماء ونشيجها يتعالى وهي تفتح الدرج المقدس الذي يحوي اعز امانيها ان به ذكريات حبها الضائع وقلبها المفقود انه كنزها الذي تحرص عليه كما يحرص البخيل على ذهبه . فتحت الدرج بحذر وحرص واخذت تتلمس محتوياته بحنان وحب . ها هو منديل احمد الذي ربط به يدها وهذا هو القلم الذي براه لها وها هي وردة ذابلة اهداها لها . وهذه وتلك كل ما بقي لديها من احمد . اخذت تقبل هذه الاشياء بلهفة وجنون . وفجأة انتبهت على حركة في الخارج فأسرعت تقفل الدرج . ولكن انها الساعة تدق ،
انصتت تحصي دقاتها فاذا بها الحادية عشرة تنهدت تنهد ارتياح . لم يحن موعد رجوع زوجها من عمله لقد تعود ان يعود في تمام الواحدة فلماذا كل هذا الوجل يمكنها ان تحيي هاتين الساعتين الباقيتين بذكرها حبها الاول والاخير . نعم كان يغيظها من احمد مكابرته في كتمانه هذا الحب الذي لم تقو هي على كتمانه وبدأ يتفجر بصورة احتقار لأحمد ومحاولة اغاظته بكل الوسائل الممكنة . وبدأت تتجمل وتتأنق في دروس الاستاذ حمدي الشاب العائد حديثاً من اوروبا والحاصل على دكتوراه في الآداب . وهكذا استحوذت على انتباهه بفتنتها الطاغية وانوثتها المتدفقة ثم تحول الانتباه الى اعجاب واخذ الاعجاب يتبلور بشكل آخر يوماً بعد يوم وكثيراً ما اثيرت بينها مواضيع عاطفية في الدرس . طبعاً مثلاً عن زواج الشرقية والغربية وكقابلية الشرقية للحب وهل الحب ضرورة للزواج . اخذ الاستاذ رأي بعض التلامذة والتلميذات ثم قال : وسنستمع اخيراً لرأي الآنسة علياء . ووقفت علياء غير انها بقيت صامتة تنظر بعيون تائهة الى الاستاذ بينما تشعر بان نظرات احمد شواظ من نار تخترق جسمها الاهيف وتحرقه ، انها تذوب وجداً وتتقد حباً ليت هذه المخلوقات الحقيرة تختفي من هذه الغرفة لتبقى مع حبيبها وجهاً لوجه وفعلاً اخذت تتضائل صورة الاستاذ وتحل محلها صورة احمد وبدت وكأنها تخاطبه متوردة الوجه لاهثة الانفاس قائلة : «الزواج وماهو الزواج ؟ بدون حب انه درب طويل منهك محل في صحراء قاحلة . بل انه سجن دائم للروح والقلب بيد سجان بغيض مكروه

