إذا صح أن نسمي الشتاء زمن النشاط المنتج (1)، صح كذلك أن نسمي الصيف زمن الكسل والاستجمام. فأهل الأعمال على اختلاف نزعاتهم ينهبون الشتاء سعياً واجتهاداً لكي تؤتي أعمالهم أفخر الثمار. ولا تلبث عرائس الصيف أن تطل بوهج ضفائرها الصفراء، حتى يرمي أهل الأعمال أسلحتهم ويشيحوا بوجوههم عنها ويستسلموا إلى الراحة والسكون استرجاعاً لقواهم المستهلكة. وينطبق هذا الوصف على معظم شعوب الشرق الأدنى، لذا كانت أشهر الصيف وخصوصاً في لبنان، قلما تتمخض عن مآثر تستحق التسجيل وإن كانت ذات طابع خاص، يسبغ عليها ألواناً من السحر والفتون.
فلبنان في الصيف مسرح العيد الحسان وملقى الأصدقاء والخلان. في جبال لبنان تمسي شخصيات عربية على موعد مع شخصيات عربية، ينتهون من اجتماعاتهم إلى اتفاقات وقرارات من شأنها الوصول بدنيانا إلى حالة أقل بؤساً وأوفر عزاً مما هي عليه الآن... ويؤم لبنان بين الحين والحين سيدة سورية أو مصرية أو عراقية أو أردنية، لها في الحقل الاجتماعي أو السياسي طويل باع، فتلتف نساؤنا حولها، حلقات حلقات، منها للسمر الصرف، ومنها ما هو مزيج من السمر والجد، تناقش أثناءها المشاكل النسوية الحاضرة التي هي إلى حد ما،
مشتركة بين البلدان العربية كافة، فتستمزج الآراء ويستفاد من الخبرة العملية التي اكتسبتها بعضهن، وتعود السورية أو العراقية أو الأردنية إلى ديارها بعد عملية «التطعيم» هذه، وملء جعبتها تصاميم وخطط، وفي رأسها آراء... وكيف يُنكر مدى ما تجنيه الأوساط النسوية العربية من نفع نتيجة هذا التطعيم المباشر ونتيجة الساعات الطوال في النقاش وتبادل الأبحاث بصراحة؟.. وتتساءل الآن أين وصلت قضيتنا النسوية، إن كانت هناك ثمة قضية؟؟
نظرة سريعة على الأحداث الأخيرة تكشف لنا بوضوح على أن القضية النسوية العربية بدأت في التحلل والانفراج، وشقّت طريقها إلى الانطلاق بعدما بدت مستعصية الحل. وكانت عملية ممارسة المرأة اللبنانية حقوقها السياسية الكاملة، خلال شهر تموز الماضي، الشرارة الأولى لإعلان هذا الحق ونشره على الملأ. ولم يلبث الدستور السوري الجديد كذلك أن ساوى - سياسياً - بين الرجل والمرأة (2)... وماتزال المصرية والعراقية تشنّان على حكومتيهما حرباً شعواء، مناشدتين الرأي العام، والصحافة وجميع قوى الدعاية والنشر، لمؤازرتهما كيما تبلغا المرحلة التي بلغتها أختاهما اللبنانية والسورية.
وبظني أن المعركة الحاسمة لن تطول كثيراً، قبل أن تحذو الحكومتان: المصرية والعراقية، حذو اختيهما اللبنانية والسورية، مجاملة لها أو نزولاً عند رغبة الجامعة أو ملاحقة الهيئات النسوية، لتسجل المرأة خروجاً من عزلتها السياسية ويصبح من أولى مهماتها آنذاك مناصرة أخواتها في سائر البلدان العربية التي هي دونها نهضة وتحرراً ومعاونتهن، بواسطة مختلف المؤسسات على اجتياز المسافة الشاسعة واللحاق بالركب...
رب معترض يقول: وأي مغزى لحصول المرأة العربية على حقها السياسي وما هي الحسنات التي تميز البرلمان اللبناني العتيد عن أخيه القديم؟ وأي أثر للمرأة فيه، فما إخالها قدّمت فيه أو أخّرت؟ إن نتائج الانتخابات النيابية كما جاءت مقتصرة على الرجال وحدهم هي نتائج مفروض فيها رآها سلفاً كل ذي بصيرة، يحسن الحدس وتقدير الأمور بالقياس لسوابقها المماثلة في التاريخ... فالمرأة ما كافحت في بلد من البلدان طمعاً بالكرسي، إلا بقدر، وما كان جهادها السنين الطوال إلا توطيداً وإثباتاً لحقها الطبيعي في الحياة.. وما هذا الحق مبدأياً إلا سلاح لها وسند لشد أزرها. وإنه فقط بعد التيقن من نيلها الحق السياسي، يمكن للمرأة أن تنطلق قوية الثقة بنفسها، قوية الجناح، للمطالبة بما
