هو أجلّ وأسمى من الحقوق السياسية - تنطلق بعزم وحزم، أثر حقوقها المدنية التي هي أبعد أهمية وأوثق اتصالاً بحياتها العامة من أية حقوق أخرى.
ما أكثر ما سمعناهم يشيدون بمدى العدالة الاجتماعية التي لحقت المرأة العربية وتلحقها، ويستشهدون بنوادر وطرف للتدليل على أن المرأة الآن موفورة الحظ، قياساً لما كانت عليه زمن الجاهلية، وأن الرجل لا يتميز عنها إلا بفوارق بسيطة لا أهمية أساسية لها. وفات هؤلاء أن هذه الفوارق بالذات هي التي جعلت المرأة عبر العصور، إنسانة ضعيفة مهدّمة المعنويات، محدودة الإمكانيات، بعيدة الشكوك، بنفسها وبمن حولها، وباتت، بطبيعة الحال، دون الرجل، وتحكم بها الشعور بمركب النقص.
وهل باستطاعتها أن تكون غير ذلك وشهادتها ناقصة، لمجرد كونها أنثى - ونصيبها من إرث أبيها نصف نصيب أخيها، والرجل قيم عليها يطلقها متى شاء ويبقيها متى شاء إلى آخر ما هنالك من ترويض لكبريائها وتخدير لعزة نفسها؟
إن قضية المرأة العربية اليوم ترمي إلى المساواة المطلقة - المساواة سياسياً، ثم مدنياً واجتماعياً، وبغير هذه المساواة لن تتعادل كفتا البيت العربي والمجتمع العربي، ولن ينهضا من كبوتهما الحاضرة.
ليس يخاف على المرأة العربية إذ تهم بولوج هذا الطريق - طريق المساواة المطلقة - أنها وعرة شائكة، جمة العقبات وإن الخطوة الثانية أعظم شأناً من الأولى وإنه لابد للمرأة أثناء السير من الاصطدام بعناصر معارضة عنيدة، وبشرائع راسخة البنيان، من الصعب جداً التعرض لها ومحاولة مسها، ما لم يقيض لأمتنا مصلحون اجتماعيون متأثرون بروح هذا العصر، تتسع مداركهم لمثل هذا
الانقلاب الخطير، ولديهم شجاعة كافية للإقبال وتحمل المسؤولية العظمى.
ويقيني أنه ما لم يحدث هذا الانقلاب في صميم حياتنا، من العبث الحسبان أن المرأة العربية ستحظى يوماً بتحقيق أمانيها البعيدة، وتصبح «نداً» كفؤاً لأخيها
الرجل، بكل ما للكلمة من شمول وعمق.
لقد انطلق السهم من الكنانة، وقطعنا مرحلة أولية من الطريق هي نقطة الانطلاق لبنات جنسنا، ومنها نبدأ الصراع في المعركة التي هي آتية حتماً وليست تباشيرها ببعيدة كما أرى.

