تمضي هي الى الرجل الذي تحب فألحّت له ان سفرها غير متيسر وعنت بذلك ان شئت فتعال انت فلما لم يأت ولما مات والداها وطغى الشوق والوحدة عليها دعته صراحة فاجاب انا مريض يا مي وضاعت الفرصة .. أغلب الظن ان هذا هو الاصح ..
وهناك نقطة اود ان اجلوها ، فما ثبت لأي مخلوق ولا لأطباء مي انها قد جنت فعلاً وما كل نزيل للعصفورية بمجنون ، بل على العكس لقد ثبت ما قاله الريحاني مثلاً انه عندما زارها في المستشفى بعد اهماله غير المقصود لها لم تكلمه كلمة لأنها كانت عاتبة عليه والمجانين لا يعتبون . ثم ان عدم استقبالها الاصدقاء في آخر ايامها بالقاهرة لا يقوم دليلاً على اختلال قواها العقلية وكثيرون منّا في اوقات مصاعبنا الخاصة او آلامنا الخاصة لا يحب مقابلة الناس ..
ان كل ما بدا في آخر سنوات مي وكل ما كتب وما قاله الاصدقاء الذين زاروها لا يقوم دليلاً الا على انها كانت متعبة جداً وليس بالقليل ان يموت والدها عام ١٩٢٩ ووالدتها عام ١٩٣٠ وجبران عام ١٩٣١ ليس بقليل على فتاة هي كتلة من حس مرهف .. ولو كانت الفتاة غير مي ولها مكانتها الخاصة ومنزلها المستقل واصدقاؤها الكثير لما تحطمت هذا ولكن مصيبة مي كانت في قلبها وما اسرع ما تتمزق القلوب التي هي كأوراق الورد ..
وبعد فقد كان لمي من الصفحات كأمرأة لا كأدبية ما يستحق الاعجاب : عشق للأدب جعلها تصرف حياتها بين
المحابر والاوراق بدل من ان تندمج في اللهو والترف : كبر جعل قلبها يعرف من يختار ومن يحب .. عزة نفس قد تكون اضاعت عليها فرصة العمر .. فضيلة جعلت ولي الدين يكن يعنون رسائله اليها هكذا الى فاضلة الشرق .. بر بوالدين يضرب به المثل .. ولها خصال اذا اضيف اليها الذكاء وما لا اعدد من اشعاع جعلها نسيجاً وحدها علمنا كيف فقد الشرق بفقدها كثيراً ..
واخيراً ما هو نصيب مي من
الخلود .. لقد مضى على وفاتها ١٣ عاماً فقط فاذا بذكرها تكاد تنسى لولا هذه المحطة الكريمة ومثيلاتها .. ولقد قيل ان هناك شارعاً يسمى بشارع مي ولكنني حتى الآن لا أعرف أين هو .. ولقد نسيتها الهيئات النسوية فلا حفلة ذكرى او شبه ذكرى كأنما لم تكن من مفخرة المرأة .. واخشى ما اخشاه ان لا يمر ربع قرن فيطمس ذكرها الا من كتب نسج عليها العنكبوت بيوته في بعض المكاتب : رحمها الله ..

