كيف يكون في سلمى قول ؟
ولكان الحقيق ، في باب الوفاء ، ان يُغَنَّى بها وان يُنْحَت !
في اي ملتَفَتِ خيرٍ او حُسْنٍ لم تعطِ سلمى ؟ ويخيَّل اليَّ ان التراب الذي هيلَ فوقها ، آخراً ، غنيّ بطيب وحُسْن .
لها يد ــ وحدَّ كيدِ سلمى ــ على الادب . أدخلت عليه النضارة ورفَّ الفراشات . قبلها كان الرجل ، بصوته الاجش ، في صرير القلم النَسَوي . فاوقفت الكناريَّ في الهنية ، وجعلت الزمن يكرُّ على صنوبراتنا متمهِّلاً في ثؤدة العرائس .
لها يد على الطبيعة اللبنانية . قبلها كانت كنَشْبِيَّة ... ــ كثبناً ومسرحَ مَهىً وغزلان ــ فاسكنتها زهرَتَنا وصبايانا . صبايا البساطة والطفل والام . حتى لكأنَّ الانسان عاد يتطلَّع في ادبنا ويهش ويضحك .
لها يد على التثقيف . حتى لتكمُل ــ وفي أي طراز ! ــ تقليداً نبيلاً ، يرقى الى جبيل ، يجعل جُلَّة العظماء ، قبل ان يتولوا قيادة أمة ، يخبرون قيادة طفل ، وفي هذا الحقل الصامت ، اليسير مظاهر الجد ، ربَّى على فتون قلمها جيلان .
لها يد على التأليف . ففيما أدباء الرجال منا يعيشون على القصيدة او المقالة تُتلى في الحفل او تنشَر في الصحيفة ، كانت هي تتفاعل مع القرَّاء في ليالي التثقُّف الطويلة المضنية : تنزل الى معترك العرض والطلب كتاباً يَرِجُّ في الضمائر او يتعرَّض لرفض .
لها يد على قَدْرِ القيم وعرفان الجميل . فهي ، في عصر تفشَّى فيه الحسد ومات الوفاء ، قد استمرت على شيم السلف . يلمع نور ناشئٍ ، فتقصده تُعلنه انه نور . وتقيلُ بادرةَ سخاء عثرة ، فتكتب عنها مجلداً .
لها يد على البطولة . فلم تكن خطوة شجاعة من مراحل تطلُّع لبنان الى الشمس الا اضطلعت بقسطها من القيادة فيها . وآخر عهد للوطن بها يوم شاءت ان تفتح معركة نضال ، غريبة على الشرق ، فسلخت عن صدرها وساماً هو اشرف ما تحمل ، وردَّته للحكم المزور كغير خليق بان يجيئها من يد ذلك الحكم ، بقيت بادرتها وحيدة . واذا هي ، مرة اخرى ، في مجتمعنا المتأخر ، القائد والجند معاً .
واليوم ، وقد غاب وجه سلمى ــ سلمانا نحن الشعراء ــ اشعر ان الطيب في السفح قد قلَّ ، وباتت النسمات على التلال حرُّورا . وأمسيةً غيبوها ، قرب شاطئنا ، في اجمل سيف في الارض ، شهدت غير عروس سمَّت بنتَها « سلمى » ، تيمناً بالقلم الشجاع النبيل ، وغير ابن شاعر تغنَّى ابوه بسلمى ، انضر وجه في عصره يغمر أجفانها الدمع والاسى ، لأن التي كوكبت سماءنا ، ذات يوم ، كفَّت عن الوجود !

