


لم أرَ الكرم الالهي يبذل عطاءه لانسان قط كما رأيته يسخو على سلمى فيغدق السخاء ويجزل العطاء. ولم أشهد القدرة الالهية تسلط القضاء على انسان فتسلبه حق التمتع بهذه العطايا وتحرمه لذة الهناء بهذا السخاء كما شهدتها تقسو على سلمى فتشتد في القسوة وتُمعن في الحرمان.
لقد أعطيت سلمى العائلة الطيبة، وهُيّئ لها الوسط الراقي، وزُيّنت بالجمال الباهر والذكاء النادر، ومُنحت القلب الكبير والاحساس المرهف، وكُمّلت بالادب الرفيع والعلم الوفير؛ ثم كان لها الخلق الكريم، والروح المرحة، واللسان الطلق، والقلم المطواع، والمجلس الانيس؛
وهذا الينبوع الصافي من حب لا ينضب، وهذه الحيوية النشيطة تجندها لخدمة وطنها وابنائه فتدفعها بحماسة الى اهدافها المثلى حتى تتبوّأ مكان الصدارة في صفوف الرائدات الاوائل. وكان اخلاصها في العمل يسيّرها الى منح قلبها ووقتها الى كل من تشعر بحاجته اليها. وحنانها المتدفق تغمر به كل من متّ او لم يمتّ اليها بصلة. وكانت لها اليد السمحة تبسطها لمن يطلب عونها ومن لا يطلبه، ولها الدمعة السخية، والضحكة البهيجة، والانوثة اللبقة الجذّابة والامومة الحانية الطاغية.
ولكن القدر ترصّد لها فحرمها باكراً عطف الوالدين ودلال الطفولة، ثم سلبها البيت المستقر الهنيء، وقد توفرت لها جميع
خصال ربة البيت المثالية، وطعن امومتها فاختطف منها طفلها وقد كان لها الامل والرجاء؛ ومنعها حق العيش المطمئن الرخي فتركها للجهاد في طرق الحياة الشائكة الوعرة فجاستها بالاقدام الرخصة والجلد الصابر، وأراها لؤم الدنيا فجابهتها وهي تبتسم وتتجاهل، وأذاقها مرارة الآلام فانتبذت الى نفسها تتجرعها وحيدة – لا شكوى ولا انين.
وظلت الاقدار تبلوها فتحسن البلاء ثم تبلوها فتحسن البلاء حتى نفد ما كان يدّخره هذا القلب من قوة فناء بحمله ولم تنفد لها شجاعة ولا كبا بها الكفاح.
وستظل سلمى على الدهر نوراً مضيئاً؛ وابتسامة دائمة، وأريجاً عطراً، وذكرى خالدة، وعلماً من اعلام النهضة النسائية العربية خافقاً. ستظل رمزاً للجهاد الصامت المرّ والالم المستمر.
وسيحفظ لها هذا المقام السامي من الحبّ العميق والاعجاب الاكيد في قلبي وقلوب الكثيرات اللواتي نعمن بقربها ما بقي وفاء وما دامت الحياة.