لم اكن انتظر ان تكوني انت اول حلقة تنفرط من سلسلة الصديقات الطالبات التي كانت تربطنا الى بعضنا البعض برباط المحبة والاخاء.
عرفت برحيلك هذا الصباح القاتم كقلبي، فبكيتك لا كما يبكيك باقي الناس الذين لا يعرفون مدى ما كنت تذخرينه من حب للانسانية جمعاء، بل بكيتك، يا سلمى، كاعز الصديقات واحبهن واخلصهن اليّ.
لقد كنا رفيقات المدرسة والحياة وكنت لي الحبيبة التي تجهل الخداع والرياء، والصديقة التي تعرف ان الحب هو اغلى من ان يبتذل او يباع.
أتذكرين تلك الساعات اللذيذة الخالدة التي قضيناها معا في بحمدون قبيل سفري، حيث كنا نستيقظ صباحا لنتمتع بجمال لبنان ونتحدث عن سحره الذي كان ينسينا، الى حين، مساوىء العيش ومظالم الاسياد؟
كنت لي عند تلك الصبحيات المشرقة الكاهن القدسي الذي يردد على مسامعي اناشيد الحب والسلام، ويلقي في اعماقي آيات الراحة والطمأنينة ــ وكنت ايضاً فوق هذا، الملاك المرفرف في سماء حياتي يعلمني بصبره وتجلده كيف تتلاشى معاكسات الحياة تجاه الارادة الجبارة.
واليوم يا سلمى، سوف يدرك الناس بعد رحيلك اية قوة ادبية خسرناها، واية ريشة سحرية حطمتها الاقدار، فقلمك كان واحداً بين الرف الاقلام تتدفق منه البلاغة، ويبعث الوحي والسحر والجمال، وتتذوق في كل حرف من حروفه تلك الخمرة العلوية التي يثمل منها شاربها ولا يرتوي.
ان كلماتك كانت كقطرات الندى المنعشة عند السحر في صبحيات الربيع ــ فمن ينشدنا اليوم بعد ان سكت البلبل الصداح وبح الهزار الغريد ــ ومن يهز في اعماقنا تلك الاحاسيس التي لا تعرف سوى ريشتك كيف تحركها من مكامنها.
لقد كنت اغنية من اغاني الخلود، وذخيرة من ذخائر الدهر، جهل قدرها ابناء محيطها فاذابوا فيها قوى النفس والجسد عندما اضطرتك الحاجة الى تحويل قواك المعنوية الى جهاد في سبيل العيش، دون ان تتألف الى الان في لبنان جمعية تقوم غايتها في تسهيل سبل الحياة الى امثال سلمى التي هي منحة من منح الاجيال الغادرة، كي تعرف قواها الى الخدمة الادبية العامة.
فاذا بكيتك اليوم بمرارة وتحرق، فانما ابكي فيك ذلك القلب الكبير وتلك النفس الابية التي صمدت تجاه الصعوبات في شتى مناحي الحياة.
عشت، يا سلمى، حياتك كلها، في جهاد حقيقي فحملت صليبك تسيرين به في مجاهل الحياة، تفوزين حيناً وتعثرين
احياناً، الى ان وقعت شهيدة الاجحاف من الحياة والناس، فكانت علتك في ذلك القلب الكبير الذي احتمل وصبر وتجلد الى ان وقع صريع الجهاد.
لهذا يا سلمى ابكيك اكثر من جميع الناس لاني عرفتك اكثر من جميع الناس.
فيا ليتك تدركين شدة ألمي لاني لم اغض عينيك بيدي واودع رفاقك بدموعي، واحدث الناس من هي هذه التي يودعون.
وكم تمنيت قربي منك ابان مرضك لأمسح عن جبينك تجاعيد الآلام، وازيل من قلبك المحب غيوم الاحزان.
لقد كنا مفترقات ونحن واثقات اننا لن نلتقي، ولكني لم اشعر قبل اليوم بمثل هذه الغصة في اعماق قلبي الجريح، ولعل ذلك ان روحك التي كانت ترفرف في سماء حياتي كانت تلقي في نفسي راحة وطمأنينة هي نوع من النعم الالهية التي لا يتمتع بها سوى من كان مثلنا يقدّر قدر الصداقة العلوية التي قيدتنا برباطها الوثيق.
ولو كنت انا السابقة في الرحيل لسمع الناس منك نشيداً ما تغني به البشر ولا الملائكة من قبل ــ ولكنك سبقتني وتركتني عاجزة عن انصافك، بغير هذه الدمعة الحارة التي ابعث بها من وراء هذه المسافات الشاسعة لتبلل ضريحك الطاهر وتخبرك عن الفراغ الهائل الذي تركته بعدك في حياتي، معاهدة اياك ان اعود اليك مرة ثانية يا اخلص الصديقات واحبهن الى قلبي.
سانتياغو ــ ت ١ سنة ١٩٥٣


