أطلت مع الفجر ، واكتحلت عيناها بضيائه ، فافتر ثغرها عن بسمة الحياة وما تحمله في طياتها من آمال وأحلام سرحت أنظارها في أجواء الدنيا ترافق خيوط الشمس الذهبية تتدافع في الفضاء لتقهر أمامها جيوش الظلمات التي كانت مخيمة على دنيانا . ودغدغت أذنيها همسات ووشوشات وكلمات عذبة في الحرية والاستقلال كان لها صدى مستحب في فؤادها . وأحست في أعماق نفسها برغبة ملحة في طلب المعرفة لتجلو غوامض الكون وسر البقاء ، وأقبلت عليها تنهل من ينابيعها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً ، حتى ألمت بقسط وافر منها جعلها في مقدمة العاملين المخلصين . وكوّنت لنفسها ثقافة عامة أضاءت أمامها السبيل وميزتها بتربية مدنية وسياسية خالصة كانت تدين بها وتعمل لها مدى الحياة .
لقد حلمت الفقيدة الغالية بوطن عزيز حر . تنتسب إليه وتعتز به ، بعد أن رأت وطنها يرزح زمناً غير يسير تحت نير ثقيل من العبودية والاحتلال الأجنبي ؛ ولم تكد تأمل في تغيير عهد بائس مستبد يخلص الوطن من ثقل نيره ، حتى فجعت بآمالها وأحلامها في نيل ما أحبت ، إذ رأت وطنها مقيداً من جديد ، يرزح تحت نير آخر ليس أقل قساوة ولا أخف وطأة من غيره . فأخذت ترسل الصرخات تلو الصرخات في وجه المستعمر الجبار لا تفتر لها عزيمة ، ولا تترك فرصة إلا اغتنمتها لتشكو ظلم الظالمين واستهتار الحاكمين بمصالح البلاد وأهلها . وهذه نبذة من رسالة قيمة جريئة أطلعت عليها . وقد بعثت بها إلى المسيو بينار الأمين العام للبعثة العلمانية الفرنسية في باريس وكانت يومئذ عضواً في الهيئة التعليمية في الكلية العلمانية : قالت ما خلاصته :
« لقد طلبت إليك عندما تعارفنا في اجتماع خاص أن تكون صلة الوصل بيننا وبين الأفرنسيين ، لأن سياستهم ستجعل من أشد اللبنانيين اعتصاماً بفرنسا واعتداداً عليها أكبر أعداء لها ، نحن نعلم هنا بكل ما تفعله من أجلنا هناك ويؤسفني أن أرى حسن نيتك في خدمتنا تصطدم بسياسة بلادك التي يمثلها قبضة
من الرجال الاستغلاليين الانتهازيين الذين يسيئون إلى فرنسا أساءتهم إلى سوريا ولبنان . إنهم يفقروننا مادياً وهي خسارة قد يعتاض عنها وأما خسارة سمعتكم فلا يرجى العوض منها .
أرجو أن تنسى لحظة أنك رئيسي وأني مرؤوستك كما أرجو أني وكثيرين من الأصدقاء لا نزال نأمل العودة إلى التفاهم بواسطتك وواسطة صحبك . وأنا بصفتي سيدة عربية تحلم بالحرية لا أوجه إلى رئيسي فحسب بل إلى رسول من رسل الحرية .
المعارضة في لبنان هي أخطر مما يتصورون وسأثقل كاهلك إذا بعثت إليك ببعض الصحف لتعلم منها إلى أي حد بلغ اليأس من نفوس هذا الشعب الذي وضع ثقته فيكم وعلق آماله عليكم » .
وختمت رسالتها بهذه العبارة : « رجائي إليك أن لا تنسى بلادي . »
وهكذا نرى أن الفقيدة الغالية لم تكن تنسى بلادها دقيقة واحدة ، بل كان همها المالئ قلبها والشاغل نفسها هو العمل على تحريرها وإعلاء شأنها والذود عن حقوقها ولو أغضبت من أغضبت من ذوي النفوذ والسلطان .
لقد أيقنت سلمى أن الأوطان لا تستقل وتزدهر ولا تنعم بعزتها وسيادتها إلا باعتمادها على نفسها ، وأن الحرية لا تعطى بل تؤخذ ، كما أيقنت أيضاً أن الأمم لا تنهض من كبواتها إلا بتربية أفرادها تربية وطنية مدنية خالصة من كل ما يشوب مجموعنا من معايب ، لقد أدركت أن التعصب والفقر والجهل والمرض والإقطاعية
والفوضى والتجاوز على القوانين ومخالفتها والأثرة - كل هذه الآفات لم تصب بها أمة إلا دكت حصونها وأوردتها موارد الهلاك ، وجعلتها لقمة سائغة لكل طامع أثيم .
على أداء هذه الرسالة الحيوية وقفت سلمى حياتها الغالية واندفعت بكل ما أوتيت من علم وهمة واختبار لمحاربة هذه النقائص فينا وأصلتها حرباً عواناً في كل زمان ومكان . لقد اتخذت من منبرها في المدرسة وسيلة لتزرع في عقول الناشئة ما خلا الدروس الثقافية دروساً قيمة في الوطنية الحقّة . وهي تقوم باحترام النظام والقانون وبالمحبة والتسامح والمساواة بين الطبقات والتضحية في سبيل الوطن وأبنائه .
ولقد اتخذت من منابر الخطابة والصحافة والجمعيات النسائية وسائل أخرى تبث بها الدعوة لهذه المثل العليا التي اتخذتها الأمم العريقة مقياساً للمدنية الصحيحة .

