
عرفتها منذ ان كنت هناك في فلسطين . فردوسنا المفقود . فقد اهداني صديق كريم كتابها « النسمات » .. وابتدأت اقرأه فاذا بكل ما فيه ناعم كالنسمات .. خفيف الظل مثلها .. منعش مثلها .. ذلك لانك تقرأ في النسمات لمخلوق تألم كثيراً وما زال فتتعزى لأن في الدنيا مثلك متألمين .. وتنتصب بشجاعة وقد قويت على حمل صليبك لأن في الدنيا من يحمل صليبه بصبر مثلك او اكثر ..
وعرفت سلمى صائغ عن كثب فما تغيّرت الصورة التي رسمتها النسمات في مخيلتي .. انثى رقيقة : شاعرية الحديث كشاعريتها في اسلوبها الكتابي ... وانثى لبقة ذكية تعرف كيف تكسب ودك بحديثها كما تكسبه بكتاباتها .
ولعل قوة العاطفة هي اول ما يطالعك في ادب سلمى صائغ واول ما يطبع كل ما تكتب .. فانت لا تقرأ لها قصة الا وتلمس العاطفة الانسانية المتألمة للشقاء تتدفق من كل جملة فيها .. وانت لا تقرأ لها مقالاً الا وتراها تعالج مآسي المجتمع بعاطفة جياشة تحس مع اشقياء المجتمع : اما اذا ما طالبت بحقوق المرأة فهناك العاطفة الثائرة على الظلم التي تكاد في ثورتها تحطم القيود ..
انه ادب عاطفي رائع ، فاذا ما اضفنا اليه الاسلوب الشاعري الناعم .. علمنا كيف كسبت سلمى صائغ قلوب قرائها وجذبتهم بخيط حريري ناعم قوي ليقرؤوا كل ما تكتب ، وليعجبوا بعد ذلك بكل ما تكتب .
ومضت سلمى ، وخسر الادب - ولا اقول الادب النسائي فقط - خسر بموتها قلماً انسانياً حساساً .. ما حملته صاحبته للتسلية ولا لطلب الشهرة .. ولا تنفث عن طريقه آلامها فتخفف عن نفسها .. بل حملته لتؤدي رسالة - خلاصتها ان الانسان اخ الانسان ، فليرحم المؤاخاة ..
أسمى طوبي

لن ألجأ في تعداد صفاتك ، أيا سلمى ، إلى مواهبك الفذة استمد منها تلك الصفات ، ولا إلى منزلتك في عالم الأدب ، او عذوبة احاديثك الشائقة ، فان الفن هبة من لدن الله الذي اغدق عليك من هباته اثمنها وأجلها ، وجعلك ساحرة من سحرة الفكر ، فاعطاك بذلك اجل الثواب .
اما مقالتي فيك فلن تتعدى إذاعتي على الملأ ، ما سمعته منك وانت على سرير الموت . فلقد قلت لي قبل ان اجتاز العتبة : « ان لبنان جميل يا عزيزتي ، وخدمته واجب مقدس ! »
تلك هي الوصية ، وتلك كانت الرسالة !
« تعليم ، وإنشاء ، وبناء ! »
فما إن بلغت العشرين ربيعاً ، حتى انصرفت ، بخلاف سائر النشء ، ممن يأخذهم زهو الشباب ، الى العمل الجدي ، فكنت اول امرأة تتحرر من البطالة التقليدية وتثبت ان في العمل رفعة للانسان .
واعتنقت التعليم ، فاتخذته رسالة ، وبنيت نفوسا . حتى اذا عرفتك بعد عشرين سنة من ذلك ، رأيت تلامذتك وقد أصبحوا اصدقاءك الاوفياء ، يقومون على الخدمة رجالاً ونساء ، فيسعون الى تحسين الصناعات المحلية بإنشاء المعارض السنوية ، خدمة للعمال ، او يحاربون الأمية بتأسيس المدارس الابتدائية ، او يناهضون التعصب والطغيان ، على كل صعيد .
ألا لن أفيك اليوم يا سلمى الا القليل من حقك ، فما هذه الاسطر القلائل سوى إكليل تضعه على ضريحك رفيقة سبقتها الى الدار الاخرى ، وهي اكبر منك سناً ، وقد اخنت عليها الايام باوزارها .
فسلام عليك في مثواك الطاهر ، ألف سلام ! وان لبنان الذي عرف فيك ثبات العقيدة وصلابة الايمان ، لعلى يقين بأنك ستواصلين خدمته في جنة الله ! فان روحك ستستعين به تعالى ، على صيانة لبنان ورعايته ، واسعاد ابنائه .
أفلين بسترس،