ما أكملها سيدة جمعت بين جمال الجسد والنفس وبين جمال الأدب والبيان « يا حلاوتها » هذا ما تردد في خاطري حينما رأيتها وسمعتها ، عند اول مرة ، في حفلة جمعية « شمس البر » في شهر ايار سنة ١٩١٢ تعتلي المنبر وتلقى خطابها الأغر .
كانت تقف موقف المناظر المعتدّ بنفسه في مباراة موضوعها ( أيٌّ أفعل في ترقية الهيئة الانسانية : ابناء الغنى ام ابناء الفقر ؟ ) وتأخذ جانب الفقراء ، بينما كان مناظرها أديبنا الكبير الاستاذ امين الغريب يبرهن على ان الاغنياء هم افعل في ترقية الهيئة الاجتماعيه .
ورغم اني كنت على رأي الاستاذ الغريب ، فقد استطاعت السيدة سلمى ان تزعزع اركان اعتقادي برقتها وسلاستها بالاضافة الى قوة حجتها وقوة بيانها ، وتركتني بين الشك واليقين .
وأنا على هذه الحالة ، وخلال تصفيق الجمهور الحاد ، همس صاحبي في اذني قائلاً « أولم تؤمن ؟ » قلت : « لا ، ولم يطمئن قلبي » قال : « أتراهن ؟ » قلت : « نعم » واتفقنا على الرهان . ثم وضعت جائزة يكسبها أحد المتناظرين ، وتألفت لهذه الغاية لجنة تحكيم قوامها الآنسة جوليا طعمه والسادة جبر ضومط ، انطون شحيبر ، عمر نجا ، عبد الغني سني « مكتوبجي الولاية » وبدر دمشقية . وقد أجمعت اللجنة ، ما عدا السيد عمر نجا ، على اعطاء الحق للسيدة سلمى فنالت
الجائزة وخسرتُ الرهان .
ثم أتى على ذلك بضع سنين ، كانت اعواماً قاسية على فقيدتنا الغاليه ذلك لما اصابها فيها من زواج غير موفق انتهى بالانفصال ، ولما واجهها وواجه غيرها ، من هول الحرب العالمية الاولى ، ولكن البسمات الناعمات ظلت تلازم وجهها ، كما ظل نشاطها الادبي يتعالى فوق مشاكلها كلها غير عابئ بانحراف صحتها .

فكانت تعلم وتؤلف وتخطب وتكتب ، وتجمع الجمعيات الادبية على اكتافها مما حملني على الاعجاب بذلك الجسم النحيل الذي يرفع من اثقال الحياة ما تنوء عنه الجبابرة .
وازددت كغيري إعجاباً بها لما ألفنا ، وعلى رأسنا العلامة الشيخ ابراهيم المنذر سنة ١٩٢١ ، جمعية « عصبة الأدب » ذلك لان السيدة سلمى ما كانت زهرتنا العطرة الفواحة فحسب ، بل فتحت دارها لهذه الجمعية ولسائر الادباء حتى
كأنها لا تواجه ، ما تواجه ، من مشاكل الحياة الصعبة !
وازداد مرض السيدة سلمى أثناء نشاط الحركة النسائية سنة ١٩٢٨ ، وابان ما كانت « جمعية النهضة النسائية » في لبنان تتزعم هذا النشاط برياسة السيدة ليبية فيليب ثابت . ولكن المرض عجز عن اضعاف اعصابها القوية فكانت لولب الحركة فيما قامت به هذه الجمعية من حفلات ومعارض ، وكلما شعرت بأن الضعف يكاد يتسرب الى اعصابها لجأت الى الجبل تستجم ، ثم تعود وهي اشد نشاطاً من قبل .
وهل أنسى ذلك الاندفاع الذي بذلته في سبيل تأمين ازدهار معرض الجمعية الثالث الذي اقامته ابتداء من ٩ نيسان ١٩٢٨ في الكلية العُثمانية ؟
كلا لست بناسي ذلك الاندفاع الذي بيّض وجه المرأة وجعل الناس يؤمنون بها بعد الكفران .
وبعد فاذا كنت اضطر للاكتفاء بالتلميح في صدد تبيان مآثر سلمى صايغ وذلك مراعاة للاختصار الذي شرطته مجلة « صوت المرأة » الزاهية فان التاريخ ، وانا احد خدامه ، سيسجل لهذه السيدة مآثر جليلة أدتها ، خلال النصف الاول من القرن الجاري ، خصوصاً في سبيل نهضة المرأة وتحريرها ، رحمها الله .

