عرفتها لأول مرة على منبر الخطابة فأسرت القلوب بعذوبة كلامها وحركت العواطف بمعانيها .
عرفتها في عز صباها وجمال فتوتها ، في سن الاحلام الجميلة، حلم البيت السعيد والرفيق المخلص المحب ، والعائلة الهانئة . لكن هو الدهر ان صفا يوماً يعبس اياماً وما هي مصيبة المرض وخسارة الاموال والموت انها لا تقاس بخسارة الثقة فيمن احبت وضياع الامل ممن رجوتَ . كل هذه الغيوم غيوم اليأس والمصائب تلبدت فوق تلك الشخصية الفذة فكانت كالسنديانة صامدة تهزأ بالزوابع والاعاصير او كالطيارة تحلق فوق طبقات الغيوم السوداء فترى اشعة الشمس المشرقة .
حملت اوجاع نفسها في قلبها ولم يبقَ من اوتار قيثارتها الا وتر واحد ـ ضمتها الى صدرها تقيها مصائب الحياة واغدقت عليها كل ما في صدر الامومة من حب وحنان . ولما لم تعد في حاجة الى مساعدتها مالت الى تثقيف صبايا لبنان وكل منهن ابنة لها . وخدمت اللغة العربية عن طريق التهذيب باسلوبها الجميل فحببت الناشئة الى لغة الآباء والاجداد واشتركت مع غيرها من السيدات في رفع منزلة العربية في برامج المدارس
الحكومية والخصوصية يوم كان الاستعمار يفرض لغته فرضاً، وخدمت القضية النسائية بقلمها واعطت كثيراً من وقتها لخدمة البائس والمسجون والشارد .
وبعد جهاد طويل سافرت الى المهجر تعيش بجانب اخ شفوق يقيها غاديات الحياة في سن يحتاج المرء فيه الى ساعد قوي يسنده . وحملت في قلبها اجمل صور من لبنان فرفعت اسم بلادها في المهجر وايقظت الشوق والحنين الى الوطن القديم . وبعد ان نكبت باخيها
عادت مكسورة الجناح الى وطنها لبنان الذي احبته وخدمته بقلمها الصريح وعواطفها الفياضة وهي لا ترى غير نواحي الخير في لبنانها ونواحي الخير في اصدقائها المخلصين . فالحزن لم يقو على اسكات قلمها الفياض والألم لم يقو على اخماد شعلة الذكاء المشع في حديثها وكتاباتها . كانت سلمى صائغ امرأة عظيمة وادبية كبيرة قلما يجيء الزمان بمثلها فخسارتنا فيها عظيمة .


