كنت في عهد التلمذة المتحفز الطموح، عهد التطلع الى الامام. والتشوق الى المعرفة لما تسلمت هدية نفيسة ارسلتها اليّ ابنة عم لي تعنى بالثقافة والادب.. وهي عدد من مجلة «المرأة الجديدة» على ان يعقبه اعداد سنة كاملة. ففرحت بها فرحا شديداً وتلقفت الهدية اللطيفة كما يتلقف الجائع العطشان كوب اللبن البارد. وفي احد اعدادها قرأت لأول مرة اسم السيدة سلمى صائغ منقوشاً تحت صورتها الجميلة حانية على طفلتها الصغيرة «عائدة».
وبقيت هذه الصورة مرسومة في ذهني وما زالت حتى الآن، إذ كانت تحمل معاني عدة تنجذب اليها النفس. «حنان الامومة» و«براءة» و«جمال الحب والحنان المطلان من عيني الأم» و«شباب الأدب القشيب المتجلي في قسماتها» و«الذكاء المنبعث من عينيها» هذه الاطياف في الصورة عرفتني بالسيدة سلمى وحبيتها اليّ. وشاقتني الى مطالعة كتابها «النسمات» الطريقة البارعة التي اعلنت بها عنه السيدة «جوليا طعمه دمشقية» صاحبة «المرأة الجديدة». وللسيدة جوليا براعة في ادب الصحافة ولباقة ناعمة في اصول التعريف ما بين الكاتب والقاريء.
ولست بصدد الحديث هنا عن «النسمات» وما فيها من مواضيع وابواب كانت المرحومة السيدة سلمى اول من طرقها من نساء النهضة الاولى،
«فالنسمات» ما زالت تروح وتغدو بين المكتبة والقاريء، لانها نسمات الروح للروح، وهدية الجيل للجيل وما يتبعه من اجيال.
وما زادني كتابها تعريفاً بها عن «الصورة» لانها كتاب مبين فتح امامي في ذلك العهد آفاقاً واسعة من التأمل والادراك، وزودني بافكار واهداف ومشاعر زرعت كالنواة في تربة ذهني المستعدة للاخصاب في ذلك الحين، وكادت ان تصير نخلة دانية القطوف لولم تدركها سموم القنوط فتجفف طلعها قبل ابتسار واثمار.
لكل اديب وشاعر في اذهاننا صورة وإطار، وهذه الصورة اما ان تكون قصيدة من ديوان، او بيتاً من قصيدة، او فصلاً من كتاب، او معنى روحياً شاملاً جميع الكتاب بدفتيه. وان ما تنتجه القرائح والافكار هو ارواح هائمة بين الاجزاء والفصول، والجمل والكلمات تلتقي بارواحنا في دورة اطلاع وتفاهم، وتمتزج بها في غمرة حب وانعطاف فتصير جزءاً منها لا يتجزأ، فتعيش فينا وتنمو في افكارنا، فيتشكل منها كياننا الروحي والمعنوي والادبي. اما صورة سلمى فكانت في عينيّ عاقلتي في ذلك العهد، معنى روحياً شاملاً لكتاب مقروء المعنى مبهم الالفاظ، فاستوعبته ووعيته.
جمال سليم نويهض
من لا يعرفك يا سلمى وقد وقفت تدافعين عن حقوق بنات جنسك بحماسة لا توصف في الصالونات وعلى المنابر وفي كتاباتك العديدة، إن صوتك لا يزال يرن في كل مجتمع وفي كل معهد، أنك لا تزالين حية بخدماتك الجمة لامتك وللغتك، حية للجمعيات النسائية التي تذكرك كلما ذكر الاخلاص، حية لصديقاتك اللواتي يذكرنك كلما ذكر الجهاد. فكم غذيت افكاراً وأنيت عقولاً واوسعت مدارك وغرست من مبادئ سامية في قلوب النشء الجديد. فإذا كان في العمل المثمر من سعادة فهو لك، وإذا كان في الجهاد من فضل فهو لائق بك.
زرت وسلمى مصح ظهر الباشق لحضور حفلة عيد تذكار ميلاد السيد المسيح، دخلنا غرف المرضى وشاهدنا المصدور يتألم من مرضه قاطعاً الأمل من شفائه فأخذت سلمى تؤاسيه بعباراتها العذبة فتخفف من ألمه وتنسيه مصابه. وما ان تركنا هذه الجولة حتى رأيتها تبكي بمرارة ثم قالت لي: هل من شقاء اشد من هذا الشقاء؟. وبقيت متأثرة حتى دخلنا المطبخ فسألت الطباخ ما هو غذاء هؤلاء الاعزاء فقال: كذا وكذا وبطاطا مسلوقة. قالت: اعطني اثنتين فقشرتهما وقالت: خذي يا حبيبتي كلي ولا تخافي العدوى، فان امراض المجتمع كثيرة ونميت الروح والجسد معاً.
نامي آمنة في لحدك يا حبيبتي اما على قبرك فبنيت الزنبق والياسمين ويعطر اريجها مدينة الاموات كما يعطر ذكرك مدينة الاحياء.
اسما ابي اللمع



