
سلوى محمصاني مؤمنه
ما هوى النجم ! اني ما ازال ارى له وهجاً ، واستبين منه رشدا ! وما اندثر الزهر ، اني لا ازال استنشق له عبيراً زكياً في « النسمات » الحيرة !
وما أقل الجمال ، فما زال في آفاقه « صور وذكريات » للحبيبة باقيات !
ولكن ، يا سلمى ، إن من المنى ما لا يُنال في دنيانا هذه الضيقة الحدود والآفاق ؛ ومن مناي ، أن لا احدثك مؤبنة رائية باكية ، بل مستمتعة بحديثك العذب الشجي ، منتشية بموسيقى صوتك التي ما سمعت لها شبيهاً بين الاصوات ؛ فيها صفاء نفسك ينساب نقياً شجياً ، ورفعة روحك تتلألأ رقراقة أخاذة عظيمة ابية .
وفيها من مشاعرك الفياضة العذبة ، واحساسك الغض الرهيف ، ما يتجاوب في خفايا القلب ، ويبعث فيه فرحة وشجواً وطمأنينة وامنا ، وفيها ما يجلو ويعلو ويطفو فيضفي على النفوس سحراً شيقاً علياً .
ذلك انك البطلة في جهادك وشجاعتك السباقة في نضالك ونهوضك ، الرائعة في ادبك . الامثولة السامية في صبرك وثباتك وتحملك . اذ أن في وهنك الجسمي تغلغلت قوة معنوية قلما يدرك لها شأواً فرداً من الافراد ، إلا من امتاز بالتفوق والعقيدة الصادقة بصلاح الوجود ونبل رسالة الانسان .
نعم ، ما كنت اود ان اكون لك مؤبنة رائية باكية ، ولكن لك علينا حقاً لا تنكره ، ويداً لا ننساها . لك علينا
ان نذكر دائماً انك كنت في طليعة من اوقد في عزم المرأة الشرقية القوة ، وهياً في روحها اليقظة للتحرر .
وأنك كنت فكرة حية متألقة في مجال الانبعاث ، للتجدد والتطور والصعود في مدارج الرقي . وأنك اضأت من كيانك شموعاً لاهبة هادية للنشء .

وأنك سكبت من عصارة قلبك المتوهجة في شرايين الامة حياة .
وأنك وهبت من نبعة روحك ما لا يقدر بمقاييس البشر للحق ، وفي سبيل الحق ، وفي الدفاع عن الحق .
فكنت عظيمة في رحابة صدرك ، ورحابة فكرك ، ورحابة قلبك الذي اتسع للوطن كما اتسع للمعاني الانسانية يعمل لها ويناضل لنشرها .
وإن صوت الحق ليتردد صداه في فضاء الزمان الذي لا يُحدّ ، وانه ليعلو مهما كان واهياً رفيقاً هامساً ، فهو من القلوب الصادقة متغلغلاً في اعماق الضمائر
مدوياً في الوجود الفكري الذي ليس له نهاية .
وإننا نرى ان الماضي يغوص في خضم النسيان ، ولكن الامواج العاتية تتكسر على شواطئ الزمان حيث تأتلق مصابيح النفوس المشتعلة من ضياء السمو الالهي التي لا ينالها الفناء .
وان عبابه ليغور وينحسر راعداً متهيباً هناك ، حيث تفور تلك القوى الغلابة ، قوى العقول والعبقريات التي تناضل للسمو الفكري ، والتي يكمن بها الخلود والمجد .
وإن الانسانية الراكضة في عجلة الايام لتأنس وتهتدي وتعلو بهذا الضياء لانه من جذوة النفوس الزكية التي تلتمع ابداً هازئة برماد الموت .
وإن الانسانية لتفوز وتنتصر بتلك القوى التي عبّت من سلسبيل المعالي ما يروي الاجيال ويوفر لها في الروح اريج الاخلاص وعبق الصلاح وعطر النبالة .
نعم ، فما كنت اود ان اكون لك يا سلمى مؤبنة رائية ، اذ ما حاجة الضوء الى التأبين ، وشعاعه لامع باق للابانة والهدي والانارة ؟ وقد كنت في احلك ليالي المرأة ضوءاً نيراً .
وما حاجة الزهر الى الرثاء ، وعطره فواح يعلن عن الجمال والنزاهة والبراءة ؟ وقد كنت في مفازة الحياة وشوهاء الحوادث التي تنكرت للبنات فواحة بادب رشيق جميل لا يذبل رواؤه .
فسلام عليك عطر كروحك ، طاهر كقلبك ، صادق كجهادك ، عميق كأيمانك ، خالد كأدبك .
سلام ممن تطلع في دنياه الضيقة فلم يجدك ، فبكى على وردة تفتحت ناضرة قبل الفجر ، ثم ذبلت مبكرة قبل المساء وكانت رمزاً للجهاد والبر والخير والجمال .
٢٨