


يا حلاوتك عندما دبَبْتِ وعندما شبَبْتِ بل قبل ان ولدتِ . اعندما تمثلت لأول مرة قرب فؤادي فأحدثت في نفسي ثورة قلبت بلحظة كياني وحوّلتني من ولد خليّ طيار الى كائن مثقل بالحنان والحب ، وعندما وثبتِ الى الحياة بيديك الورديتين ، وعينيك المفضضتين ، الجاهلتين معنى الحياة والوجود .
وعندما اتوا بك اليّ فاخذتك الى صدري وبقيت طول ليلي اتأملك على نور الزيت الضئيل . ناظرة الى عينيك ، وجبينك ، وفكّ ، وانفك وخديك وكل اعضائك المتناهية في الدقة واللين وقائلة في نفسي « هي لي هي لي » !!
وعندما كنت اسقيك مذوّب قلبي واراك تنمين يوماً فيوماً بما تمتصينه من ماء حياتي . كم تلذذت في تلك الساعات الطويلة وسكبت نفسي امام هيكل حبك متمنية لو اعطيك كل ما في قلبي من دم وكل ما في نفسي من قوة وكل ما في كياني من حياة .
وعندما فُطِمت فبكيتُ صدري فلمست اول هموم الحياة . يا حلاوتك في كل آن وزمان .
يا حلاوتك !
يا لجمالك في الماء تشابهين الدمى والتماثيل ، وتمثّلين لي الإنسانية في ادوارها النقية من قبل ان ينخرها دود الامراض وسوس الفساد ! كم وقفت خاشعة امام تمثالك المعبود . كم تاه نظري بين استدارة ذراعيك ، وبضاضة كتفيك وتضاعيف عنقك .
وكم خرق فكري الغلاف الجميل وتغلغل بعيداً . فتمثلت رئتيك ، وقلبك الصغير يدفع الدم الى جسدك ويحييك بنظام المبدع الاسمى .
وتمثلت قواك العاقلة تتكيّف وتنمو شيئاً فشيئاً بما وجد فيها من خبرة
وراثية وما يزداد عليها من تأثيرات المحيط .
كم وددت لو أزيل كل ما اورثتك اياه - رغماً عني - من نقائص ومساوىء وكم تمنيت لو اعطيك كل ما اتوق اليه من خير وصلاح وكمال اسمى !!
يا لبلاغتك اليوم ، تكيفين ، وتفهمين ، فتقابلين وتحكين .
عندما تتأملين في خطوط وجهي وتحدقين الى داخل عينيّ فتعكس على وجهك الغض كل تأثيرات نفسي وتلمع عيناك للهناء او تظلم لليأس او تضحك للسرور او تبكي للشقاء !
وعندما تقيدين عنقي بذراعك وتسألني أمي لماذا انت نحيلة وصفراء ؟ لماذا لا تبتسمين ؟ امي ، تعبانة لانك تشتغلين ؟ ثم ينتفض جسمك ويختلج فؤادك وترجف شفتاك وتسيل دموعك .
آه كيف تجثو نفسي عند قدميك متوسلة اليك ان تكفّي عن البكاء .
وكيف اود لو ادخل الى ذاكرتك الغضة فأزيل منها صور البؤس وأضع مكانها صور الهناء .
كم تتسابق دموعي حناناً لحنانك وحباً لحبك فأضمك اليّ حاسبة اني اضم كنوز الارض وغنى الكائنات .
كم سكبتُ من روحي في روحك . فأعطيتك حتى لم ابق ليّ شيئاً وعدت اليك فاذا انت نبع لا يعرف الجفاف يعطيني ويعطيني بلا حساب .
من عينيك تنبثق قوة سحرية هي زادي في الصباح والمساء عندما تنفد فيّ قوة الجهاد انظر الى عينيك عندما تضع الايام امامي حواجزها الهائلات الى عينيك .
من عينيك ارادتي ، وقوتي ، ووجودي ، وتجدّدي ، وعلة بقائي وسر حياتي .