
كنا في عشية سبت النور والناس في وقفة العيد يستعدون لعيد الفصح.
إن الأعياد في أميركا اللاتينية هي «الأعياد» بمعناها المسيحي العميق، هي أعياد العبادة والاحتفاء بذكرى مولد الناصري وصلبه وآلامه؛ والقوم، هنالك، لا يعرفون معنى «البهورة» في الأعياد، ولا يتخذون من الأيام المقدسة فرصاً للتباهي في إطلاق الرصاص، أو للزهو بمظاهر البطولة، أو لفتّ الحُصرم في عيون «قبضايات» الطوائف الأخرى.
الفصح، هنالك، خشوع وصلاة وعبادة، والتظاهرات تخترق شوارع المدينة بالزهور والبخور، صامتة، وكبار رجال الدولة من رؤساء ووزراء وقضاة ونواب وأطباء يسيرون مكشوفي الرؤوس مواكبين النعش التذكاري، وكلما وصل الموكب إلى حيّ من الأحياء، توقف أمام بيت سيدة من المعروفات بالتقوى والفضيلة، وهنالك دكنة ترتقيها فتاة تمثل المجدلية... قامة هيفاء مجللة بالسواد، وشعر أشقر طويل وصوت رخيم ملائكي يرتل مقاطع من أجمل ما فاضت به قريحة فناني إيطاليا في رثاء أعظم محبة لأعظم محبوب.
كنا في عشية سبت النور.
وكنت ملقاة على سرير في مستشفى ماتازارو، تقرض صبري وجلدي وقوة الدفاع فيّ، والرغبة في أن يأكل جسدي دود لبنان لا دود المهاجر، حمّى رفيعة بلهاء، مستديمة، عنيدة تهديها إلى أجسام الناس جراثيم مياه الآبار في قرى البورور البعيدة.
ولم يكن لي أن أشكو غربة في البرازيل ولي فيها عائلات من الأنسباء أحببتني وحدبت عليّ وصديقات أحطني بأنواع الرعاية. لم يكن لي أن أشكو انقطاعاً ووحشة في البرازيل ولي فيها

خمس بنات عمّ ربيت وأياهن في بيت واحد وحملت الصغيرات منهنّ على ذراعي واختلطت ذكراهن بكل ذكريات فتوّتي وصباي الأول... وما أن نكبت بمصرع أخي حتى أحطن بي كتلة من قلوب تشفق وترحم وتتأسى وتوآسي.
كنت أدخل المستشفى للمرة الثالثة، ويرهقني - فوق المرض - ذلك الإزعاج الذي حملته لذوي. تذكرت أننا في عشية العيد وأن بنت عمي ستترك شؤون بيتها وأطفالها وتجيء لتعودني، فجررت نفسي إلى حيث التلفون وطلبت النمرة وقلت:
- يا عدلاء! يا عدول! الله معك يا بنت العمّ. أنا في خير. لا تجيئني اليوم لا! لا تتركي بيتك الله يرضى عنك. غداً تجيئين أو بعد غد، أما اليوم فتحمليني جميلاً إن لم تجيئني.
عدت إلى غرفتي وصوتها في أذني. خيّل إليّ أن في صوتها تجمعت كل أصوات الحيّ الذي نشأت فيه، أصوات يقظة الطيور عند الفجر، وأصوات هدير الأمواج في أنصاف الليالي، أصوات أمي وأخوتي وبنتي...
أويت إلى سريري تؤلمني الذكرى وذكرى وتشدّ على عنقي ذكريات المآسي تتلو المآسي، وكانت الأمطار في الخارج تنهمر كأمواه السواقي والجداول.
كان في الغرفة التي نزلتها يوم دخلت المستشفى للمرة الثانية أيقونة تمثل يسوع كثيرة الشبه بإيقوناتنا في الشرق، فكنت آنس بها وأطيل النظر إليها وأتوجه بالنجوى إلى روح صاحبها، خصوصاً في ليلة ساءت فيها حالي وحسبتني ذاهبة... فلما عدت إلى المستشفى للمرة الثالثة كانت المحسنة الإيطالية، السيدة ماتازارو، المشرفة على شؤون المستشفى، قد استبدلت هذه الإيقونات بتماثيل عصرية من صناعة البورسلين الحديثة. وكان نصيبي في غرفتي تمثال صغير يمثل امرأة جميلة بحاجبين مرفوعين جهة الأصداغ، وعينين ترافقان الحاجبين في انحرافها صعوداً، وخدين ونفٍ مرفوع حاول الفنان أن يضفي عليها جمال بنات السينما. وكنت أكره هذا التمثال وأقول للأخت سوسنة أن تجيئني بإيقونة يسوع ذات الطراز القديم من الغرفة رقم ٢٦٤ فتجيبني أن الإيقونات القديمة انتزعت كلها واستبدلت بهذه التماثيل - ثم تتضاحك