
مقتطفات مما قالته بعض الصحف
البيروتية في سلمى صائغ على اثر نعيها
مع اوليات هذا الخريف ...

كانت سلمى صائغ اول امرأة حاولت ان تخرج بقضية المرأة من دائرتها النسوية التقليدية المحدودة ، الى افاق الحياة الوسيعة ، بحيث تكون المرأة عضواً في كيان الوطن من حيث هي انسان مواطن ، لا من حيث هي امرأة .
وعلى هذا كان ادب سلمى صائغ ادباً لبنانياً ، لا ادبا نسائياً صرفاً ، وعلى هذا ايضاً شاركت هذه الادبية في شؤون الفكر اللبناني ، منذ بدأت طريقها في الادب ، على مختلف نواحي الفكر اللبناني وعلى تعدد وجوهه .
وبرزت اديبتنا الراحلة في كونها استطاعت ان تظهر سريعاً من اعلام الكاتبات والكاتبين على منهاج الادب « الجبراني » ، وفي كونها استطاعت ان تقف على قدميها في مزدحم الذين تأثروا بمدرسة جبران ، حتى لقد امتلكت شخصيتها المتميزة سريعاً ، فاذا هي تكاد تكون وحدها يومذاك صاحبة اسلوب خاص في هذه المدرسة .
انها كانت مثال السيدة الفاضلة التي اذابت نفسها لتضيء نفوس الآخرين وهي من الرعيل الاول من النسوة اللواتي تفتحت عيونهن على النهضة العربية والاستقلال العربي والتضحية العربية فبكت رجالاتنا الذين علقوا على المشانق ( ١٩١٦ ) واشتركت في جمعيات كثيرة كان هدفها الاول العناية بالمرأة والطفل والبائس والشريد .
ان الكثيرات من الشابات العربيات - وعلى الاخص البيروتيات المسلمات - ينحنين باحترام كلي امام ذكراك ايتها العزيزة سلمى صائغ .
فلقد عرفتها صفحات الجرائد العربية في مختلف انحاء البلاد الناطقة بالضاد ، حاملة رسالة البناء الخير ، وداعية المحبة والاخاء ، كما عرفتها نفساً تسيل على القرطاس ، ملهمة المواجد كريمة السلائق ، وقلباً يتدفق ايماناً بالحق والصلاح .
كافحت في سبيل المرأة الشرقية عامة

واللبنانية خاصة ، فكانت بارة بالعهود ، جديرة بالمواقف ، عنيدة في الجلاد .
كانت جندياً من جنود الطليعة في معركة تحرير المرأة فحررت بنات جنسها ، وكانت رائداً من رواد المساواة بين المرأة والرجل فتحققت هذه المساواة وكانت حرباً على الظلم فتقلص ظله ، لقد صرعها الموت ولكن بعد ان قهرت العناصر التي كانت تشل الامة وتجعلها بحكم الميتة من جهل وتعصب ومركب ضعف ...
وبتواري سلمى صائغ يفقد لبنان زعيمة من زعيمات نهضته النسوية وأديبة مجددة ذات رسالة وسيدة مجتمع كان لها
في حقول البر والاحسان جولات وجولات ولئن يكن المرض قد حجبها في المدة الاخيرة عن هذه الميادين ، فقد كانت تتبع من على فراش الآلام ما يتعاقب على بلادها من احداث ، لانها ، وهي المصارعة الجبارة ، لم يداخلها اليأس ولم تقنط من رحمة الله .
بوفاة سلمى صائغ خسر لبنان ادبية من ألمع اديباته ، واوفرهن اخلاصاً واطيبهن شمائل . نذرت ذاتها لرسالة المنبر والقلم والتعليم ، فكانت الخطيبة البليغة ، والكاتبة الانيقة ، والمربية المفضلة الحنون ، وكانت لها « النسمات » تضوع بما اختزنته نفسها من عرف طيب وأدب رفيع .
ونحن اذ نذكرها اليوم ، وغداً ، وبعد غد ، انما نذكر ، دواما ، المرأة التي عرفت ان تملأ حياتها ، والادبية التي لن يخبو أوج « نسماتها » .
ودّعنا بالامس وجها من اجمل وجوه لبنان ، وجها احبوا فيه نبل المرأة وتحرر الانسان ووعي المواطنة ولذة النضال من اجل ما هو خير .. وجها يطل منه القلب الكبير الخافق بالمحبة والحس المرهف فيشرق الاشراق الذي لا يزيده السن الا انساً وجلالاً .
والسيدة سلمى صائغ بين نسائنا ، من تلك الطبقة - بل هي رأس تلك الطبقة الكريمة التي شفعت جهدها الاجتماعي ونضالها الوطني بالفكر العميق والقلم الرقيق البليغ المبدع ، فكانت في « نسماتها » ، وفي « صورها وذكرياتها » سيدة من سيدات الكلمة الحلوة والصياغة