هو الحفل يلتقي لتكريم سلمى صائغ الراحلة !
هو الجمع يلتئم لارسال شعور الأسى على سلمى صائغ المتوفاة !
هو عقد الصحب واهل الفكر يسارعون لانتزاع طيف سلمى صائغ من عالم النسيان الاسود ، عالم الموت الآخر الاشد فناء ، فيعيدون الى الذاكرة مزايا سلمى ومواهب سلمى وصفات سلمى وفضل سلمى على بلدها وجيلها !
هم المعجبون بفكرة قلّ ان يجود الزمان بمثلها ، والمقدرون مواهبها يتوافدون للتعبير عن هذا التقدير وذلك الاعجاب بحفلة احياء ذكرها !
هي معالم التكريم والشعور بالاسى والاحساس بعرفان الجميل ترسل اليوم بسخاء بمناسبة وفاتها !!
اجل كل هذا لسلمى الراحلة !! اما سلمى الحية ، سلمى الجريح في ابائها ، المستوحشة الغريبة في ساعات تلعب بها امواج الحياة القاهرة ، فتفتش على يد لطيفة تمرها على جبينها الملتهب لتبوح بسرّ يغالبها وتغالبه ، لتبوح بانها اكثر شقاء مما نظن ، سلمى هذه التي ترى في هذا البوح نزوة من مكلوم يجدر الاستغفار عنها « لأن الشكوى لغير الله ذل » واما سلمى هذه فنضن عليها حتى ببعض اهتمامنا !
اقول ذلك ايها الحفل الكريم واستميحكم عذراً على هذا القول ، اقول ذلك لاني عايشت سلمى في ساعات كانت تنطلق فيها نفسها من قيود كبت فرضته عليها فتبوح وتبوح بجراح « وبما عشش بالثنايا فيها والحنايا » تبوح بشعور وحدتها وبشكوكها بالقيم التي يدين بها المفكرون !
فسلمى صائغ ، الاديبة الموهوبة ، والكاتبة العبقرية ، والمفكرة النادرة حقا وصدقاً ، الآمنة ولا تكرماً ، ان سلمى صائغ كانت تستحق في حياتها تقديراً ضنّ به عليها !
اني استميح هذا الحفل الكريم عذراً ثانية على شعور يفور في نفسي فلم اقو على كبته !
ولكن هل اخطئ اذا احببت ان تتبين من حياة سلمى وماتها عبرة يجدر بنا ان نقف عندها لنستخلص منها درساً وان يك قاسياً في تقديرنا للأدب والادباء ، او قل في هذا الجدب
بارسال شعور التقدير نحوهم في حياتهم ، ينقلب غيثاً في مماتهم !
افيكون وجودهم ذنباً لا نغتفره لهم الا في مماتهم ؟
وبعد اود على كل حال ان اشير اشارة خاطفة الى رسالة سلمى الفكرية ... فقد كان لسلمى رسالة فكرية ادتها بقدر ما اتيح لها ان تعمل في حدود الاطار الذي كانت تدور فيه حياتها .
فسلمى كانت تؤمن فكرياً ايماناً صميماً ، متأصلاً في اعماق انسانيتها الصحيحة بان اصلاح البشر ، وخلق روح الايمان بالخير والحق والمحبة انما يكونان باشاعة انوار المعرفة في عقولهم ... فتعهدت تلك العقول فتية وراحت تسكب فيها ، على غير زيف ولا تصنع ، ما ينساب من مجاري الاحاسيس الانسانية الصحيحة ، فلا تضع سدوداً لتحول دون تفجر الوعي في تلك العقول ، ولا ترسم الاقنية لتوجه فيها ذلك التفجر فيجري في مجاري معينه ، بل كانت تشرف على تفتحها وتحرص على ان يكون هذا التفتح طليقاً من كل تكلف .
فسلمى كانت من ذلك الرعيل ، رعيل المفكرين الاحرار المنتشرين اليوم في العالم والذين لا يفهمون الفكر والعقل الا اداة تعبير طليقة من كل قيد !
انها كانت من الرعيل المنتشر اليوم في العالم ، هذا الرعيل الذي يؤدي رسالة ستتيح للفكر ان ينزع المبادرة من سيطرة الحديد والنار بقوة الطغيان والارهاب ؟ من الرعيل الذي يعمل على نشر روح الازدراء بالمتباهين بمدى تلك القوى الغاشمة ، لتقوم في العالم قوة هي اقدر فاعلية من الطغيان والحديد والنار ، هي قوة الارادات النزيهة العاملة بوحي الفكر النزيه الحر الطليق !!
فهل انا بحاجة الى القول ان من كان هذا دأبها في اداء رسالتها الفكرية حق لها على الناس التقدير والحب ؟
لقد اسيء الى سلمى صائغ في حياتها ، على ان التاريخ وهو صاحب الكلمة التي لا ترد في اقرار الفضل وتعيين المكانات سينصف سلمى صائغ ، وها هي تتصدر منه منذ الآن مكاناً لائقاً بمواهبها وبالرسالة الكريمة التي ادتها .
