أهي حروف وسواد حبر ام اضواء ورقصات نور ؟ أهي صفحة تطوى وتفتح ام غمرة من عبير تشم وتضم ؟ وطافت في عينه دمعة اطبقت على نظره لحظة ، اقتلعها نابض القلب مرتعش اليد واطلق بصره يجري ملهوفاً وراء السطور :
★
إليك كل شيء عن كل شيء من بدء الى نهاية ... اذكر وسأبدأ من حيث اذكر عن اول شيء من كل شيء ..
قالت لي امي وكنت ملقية رأسي الصغير على حرجها اتأمل الليل واحدق في النجوم : « هل ترين تلك النجمة المنفردة في زاوية السماء ؟ انها صديقة الاطفال الطيبين ، فاجمعي امانيك بقبضة يدك وارفعيها اليها تحققها لك » .
ونظرت الى اماني لأجمعها ، فوجدتها امنية كبيرة واحدة لا شريك لها ولا شبيه فضممتها في يدي ورفعتها الى زاوية السماء وهمست : « يا نجمتي ، احفظي لي وسيا واسعديه وابقيه معي فهو مجنني مثلما احبني ابي قبلاً ، كثيراً كثيراً ... وضحكت امي وقهقهت ولم اضحك انا الا عندما سطع ضوء النجمة على وجهي وعرفت انها سمعت واحنت رأسها ... وكان ذلك في الصيف الهاديء الشفاف ..
ومرضت امي في ذلك اليوم العاصف يوم تبعثرت اوراق الخريف الصفراء الباهتة ، فكنت ابكي على صدرها تارة
واركض الى الحديقة طوراً اجمع الاوراق المحتضرة المتدحرجة على الارض واقذف بها بعيداً بحنق وغيظ وأعود لارى الارض تلتحف بغيرها ولأرى وجه امي يفوق لحاف الارض اصفراراً ...
وفي الليل زجر الرعد وماتت أمي ، فصرخت فزعاً وعدوت مذعورة نحو الليل ابحث فيه عن نجمتي ، فصفعني الريح ووخزني المطر ، وان بكى الليل عرفت اني اضعت امي واضعت نجمتي وضاعا مني الى الابد .
ورغم ذلك بقيت معي سعادتي لانك كنت معي ...
درجنا معا واصبحت شاباً واصبحت شابة وكنت انت انا وكنت انا انت ..
رسمنا الخطط وفرشنا الأماني وحلمنا وانتشينا ، ومشينا ومشينا الى ان وقف شخص غريب دخيل يوماً امام عمي وطلب يدي ، نظرت الى عيونه خائفة وجلة فوجدتها معجبة راضية . وقبل ان اطلقها « لا » مدوية ، قال عمي : « مبروك » وهناك وقفنا وانتهت عند ذلك الطريق ! ..
حملت اليك الخبر . لم أقل شيئاً وإنما نظرت الى عينيك طويلاً ، فصرخت : « ما بك امريضة أنت ؟ وجاءك الجواب من صوب بيتنا ، زغردة عالية ضربت اذنيك بغير شفقة ...
ذهلت أولاً ثم فهمت فسقطت على وجهك غشاوة صفراء تشبه صفرة المرض الشديد ، وهتفت وانت تضمني اليك « لا لا انك » .. ولم ادر ماذا اقول وقلت لنفسي : « رباه ، ليست هذه المطارق التي تطرق رأسي تصمت قليلاً لأرى واسمع » وفجأة صمت كل شيء الا نشيجك الخافت ، فلسعني الألم لسعة قوية جعلتني اسحب يدي من يديك واعدو ..
ثم كتبتَ ، وحملتُ رسالتك ودرت بها في غرفتي اضمها برفق وحنان وكأنها طفل تضمه امه ! تسلحت بسطورها وركضت الى عمي اقول له بحماس : « عمي ، ان هذا الخاطب لينفر قلبي منه ، فاعفني من زواجه » واجابني بنظرة هائلة أخمدتني ، وعدت مغلوبة على امري الى رسالتك اقبلها وكأنها انت تقف وتتكلم ...
وبقيت في البيت اسيرة الفراش اسبوعاً لا اغادره وعندما استطعت الوقوف في الحديقة ومد بصري اليك رأيت نوافذك مغلقة وكأنها تقول : « اتتني رسالة اخيرة منه لك ، فلقد رحل » ...
هكذا ، كلمتان فقط ، هما كل شيء ...
واصبحت زوجة لذاك الغريب الذي قطع علينا الطريق ...
وستر حياتي عناد كالحديد كان ثورة صامتة لم تستطع نفسي كبتها ،


