قلما تتبين إبان شبابنا أعراض «إرادة الإخفاق» في نفوسنا، فنعلل الإحجام عن البدء في ولوج معترك الحياة بأنه خجل الناشيء الغر، أو ترانا إذا لم نحاول قط بذل قصارى جهدنا في العمل، نختلق لأنفسنا العذر بأن العمل الذي لم نهتد إلى سواه حين لم يكن لنا مناص من المبادرة إلى اكتساب الرزق - ليس العمل الذي كنا نصلح له كل الإصلاح. ويتفاقم الحرج إذا تزوجنا وأصبحنا من أرباب الأسر، فلربما كان مما لا يعجزنا أن نصبر على الغر والأذى بضع سنين، ولكن أن تسأل عيالك أن يصبروا كما تصبر، فذلك أمر يحتاج إلى شجاعة قد لا تتوفر لكثير منا.
وكثيراً ما نعقد العزم في باديء الأمر على أن لا يغيب الهدف المقصود عن أبصارنا - ولكن عملنا المرهق يستأثر بمعظم ساعات النهار، فلا جرم أن تكون القوة التي نطلبها قوة تفوق طاقة البشر، لكي يحتمل المرء رؤية نفسه غارقاً في العمل، على حين يلهو سائر الناس ويلعب، وحين لا تلوح لأعيننا أية بارقة تبشر بالنجاح إذا ثابرنا، وهكذا نتخلف - ونحن لا نعي عن موكب الحياة دون أن نشارك فيها بنصيب، ودون أن تنكشف مواهبنا عما تطبق، ودون أن نبذل ولو جزءاً يسيراً من مقدرتنا. ثم إذا نحن استطعنا أن ندبر لأنفسنا معيشة فيها بعض الدعة، وأن نظفر بشيء من التوقير والإعجاب، أو بنشوة سلطان نتذوقها ساعة ثم تنقضي وشيكاً، وأن ننعم بشيء من الحب، حسبنا أننا فزنا من الحياة بصفقة رابحة، بل قد يبلغ بنا الأمر أن نهيء أنفسنا بتفوقها دون أن نرتاب في أننا من المخدوعين.
من الحكم المأثور عن «ماركس أوليوس» الإمبراطور الروماني الشهير قوله لنفسه وهو يحذرها:
«لا يكن تصرفك كمن خال أنه سيعيش ألف سنة» ونحن أينما التفتنا رأينا نذراً سافرة قاسية تقول:
«لقد فات الوقت وأنت غافل» ومع هذا فإن جميع من يقع في قبضة إرادة الإخفاق، يصرف أثمن ساعات حياته كأن له معيناً من الوقت لا ينضب. فهناك مثلاً أناس ينفقون عدة ساعات في النوم زيادة على القدر الذي يكفل لهم تمام الصحة والعافية، وهناك
أناس لا تختلف يقظتهم عن السبات العميق، فهم يستغرقون في مطالب يتمثل فيها الكسل وقتل الوقت: كهذا الجيش العرمرم من أحلاس القهوات ينفقون أوقاتهم في لعب القمار والنرد والدومينو أو التسلي باستعراض المارة، وفيهم من يجلس وحده ساهم النظرة يتشاءب أو يحلم، وكأولئك المغرومين بحل الألغاز وأحاجي الكلمات المتقاطعة، ومن عود نفسه أن يقعد حبيساً في داره ليقرأ كل ما تصل إلى يده على غير هدى ولا تمييز، حتى أصبحت القراءة عنده داءً لا يرجى شفاؤه.
وهناك فرق واضح بين الترويح عن النفس، وانقيادها انقياداً أعمى في أمثال تلك المطالب، وليس من العسير علينا رؤية هذا الفرق إذا نحن انتبهنا إلى وجوده. ولا تنس أيضاً رواد المسارح، وعشاق السينما وسباق الخيل، والمغرومين بالتزاور والتحدث في المجالس حديثاً كله ثرثرة، وهؤلاء الذين إذا لم يدعوا إلى حفلة راقصة أو حفلة شاي حسبوا يومهم قد ضاع من عمرهم.
وتفترسنا إرادة الإخفاق بأساليب أحط وأسفل وأخفى من هذه، فتدبر مثلاً أمر هذا العدد الجم من الناس الذين يرتضون لأنفسهم عن عمد عملاً هيناً لا يقتضيهم إلا بذل قسط يسير من مقدرتهم، ثم يخلقون له تفاصيل تافهة وينهمكون فيها إلى أن يبلغ منهم الأعياء. وتدبر أمر هؤلاء الذين لا ينفكون عن الشروع في التحضير لشهادات عليا وتدبر أمر هؤلاء الشبان الذين ينفقون معظم ساعاتهم في زوايا بيوت الدعارة، وتدبر أيضاً أمر هؤلاء الأبناء والبنات والأمهات الذين

