كانت قبلة وداع - قبلة واحدة - مسح بها الليل جبين الفجر الأبيض وخفّ نحو المغرب(١)، إثر إخوانه الليالي السالفات، يتعثرن بأذيالهن المهلهلة ... ومشى الفجر متمهلاً، عالي الجبين، يَعُبُّ أنفاسه، ويتملّى، في غمرة من الابتسام، راضياً عن غنمه من الليل - مولود طفل، ينام على راحته !
وكأنّ الشمس هذا الصباح أشدّ ألقاً، وأرشق حركة من أمسها، لعلها مفتونة قريرة ! فلعبير التلال نكهة طيبة على أنفها، ولوشاحها الموشّى بالخضرة رونق حلوٌ لعينها، ولحساسين الحمائل في ندي البكرة وقعٌ شجيٌّ على أذنها : -
جوقة إنشاد تهلل فرحاً بالمولود الطفل !
سنة جديدة هلّت . إنسانية جديدة ولدت في الأرض !!
أيّ إنسان لا يهزّه الجديد ويحرّك من نفسه مكامن الفرح والنشوة ؟ فنحن نرغب في الشيء حتى يتجاوز شبابه فنرغب عنه ويساورنا قلق داخلي ، لا نعرف مردّه ، ولا يدفعه عنا إلا شيء جديد - قد يكون هلالاً جديداً نهشّ له ، فيتبخّر القلق ويبزغ مكانه أمل جديد !
من هنا ، من هذه الطبيعة الإنسانية القلقة المتأملة ، نعلّل تطلعنا إلى يوم جديد ، وإلى قمر جديد ، وإلى سنة جديدة ! وكأن كرّ الأيام والأقمار والسنين ، لا يستلب منا شبابنا ، صفوة حظنا من الحياة ، ويطرحنا بالتالي ، أجساماً مصوّصة ، لا ماء فيها ولا روح ؟!
نحن ندرك هذه الحقيقة الموجعة ، ونتغابى عن وخيم عواقبها ، ونبقى ، في ضعفنا ، نهب سأم ملحّ ، وتوق للتخلص من العتيق ونبذه ، والتشبث بكل ذي لمعان ورونق .
والإنسان ، الذي يروق له في هذا اليوم ، خلع ثوبه البالي واستبداله بآخر جديد ، جدير ، قبل ذلك ، بأن يتخطى حدود الجسد إلى الأعماق ، ويتحرى حقيقة سريرته بأمانة وتجرّد : ماذا أبقت أعماله على صفحة ضميره ، أي عمل سيّءٍ ترك لطخة سوداء هنا ، وهناك لطخة سوداء ؟ وما قيمة الأثواب القشيبة يتباهى بها الإنسان ويتيه ، ومن ضميره تفوح رائحة عفن كريهة ؟
أحرِ بهذا الإنسان ، قبل تأمين الثوب الجديد لجسده والنعل الجديد لقدمه ، بأن يؤوب إلى خالقه ، خاشعاً ، ساجداً ، في هذا اليوم ، يستغفره خطاياه ، وينفض قلبه ويغسله من السواد ومن النتن ، لكي يباشر عامه الجديد ، نظيف القلب ، نظيف الوجدان !
أحرِ بهذا الإنسان ، أن يعود إلى جاره ، يستغفره أساءاته ، في العلن وفي السر ، ويخرج وإياه ، وقد وطّدا العزم والنية ، على سيرة أنقى ، وعلى إرادة إيجابية لحياة عملية أفضل ، تجعل من كل منهما إنساناً أقرب إلى صورة خالقه المثالية .
متى طهرت النفس وتنقّت من أدرانها ، بات ممكنا الماَمنا بشؤونها الدنيوية ، وصار الثوب الجديد جميلاً على صاحبه ، وصار لرأس السنة معنى جديد ، ينسجم ورسالته الإنسانية العالية .
رئيسه التحرير
