

الى «عورة»*، شدّت اسرة «صوت المرأة» رحالها، ضحى يوم خريفي لطيف، لزيارة الفنان يوسف الحويك في معتزله. سرنا مع البحر حتى البترون، ومن هناك عكفنا نحو الجبل. تغلغلت بنا السيارة بين الجبال والوهاد الشبه الجرداء، تطلعنا من هنا عليقة، قسا عليها الجفاف فتسمّرت في مكانها نصف محترقة! ومن هناك شجيرة بطم، لصراع المعز بين فروعها بقايا...
يحس المسافر في ذاك الجناح أنّ لبنان له وحده، فلا سائق غليظ يمزق اذنيه ترميزاً، ولا سيارة ملهوفة تقطع عليه الدرب وتعمي عينيه غباراً... يا لحلاوة هذه المنبهات الصافية يعيشها ابناء بيروت مع الطبيعة، لا يصافح اسماعهم سوى تشاور اسراب الطيور، عن غدير ماء، او عن مرج اخضر!!
نزلنا وادياً ولففنا حول جبل، واخيراً صعدنا قمة حائدة عن الدرب. وبقي علينا ان نمشي دقائق على الاقدام قبل ان نطل على «دارة» الحويك. قد يكون في تسميتها «دارة» تحميلاً للبيت فوق معنى اللفظة، مع هذا فسأصرّ على تسميتها «دارة» للمسحة الفنية الرائعة التي ينفرد بها هذا البيت عن سائر البيوت اللبنانية، فلا آبهة ولا بذخ، ولكن

يدي الحويك قد حوّلتا الصخور القائمة في الحديقة، وحول البيت وحتى على السطح، تماثيل مشرقة تشيع جواً من التفاؤل الحلو... هنا رأس فتاة ضاحكة. هناك جسد عار متكئ في سذاجة وطهر... وهناك طفولات تلهو... الله! كيف سكب الحويك روحه فيها فامست تحت اعيننا لكأنها تنبض حرارة وحياة!! الله! كيف حوّل الحويك هذا القفر الى جنة نضرة، بل الى متحف صغير في قلب الطبيعة!..
وطال بحثنا عن الفنان فلم نجده، وداره مشرّعة الابواب! ويجيء أخيراً، دالفاً «جلاليبه» العالية... كان يتعهد بذاته شجرات التفاح ونصبات الاجاص والخوخ، واحواض القرنفل والورد - يسقيها من عين شحيحة، يجمع ماءها في اجواف الصخور، نقطة نقطة!
تبارك ابداع الانسان المجالد العنيد!!
قرأنا في عيني الفنان المرهفتي الحس، دون تلميح منه، اكثر من حكاية عن سبب عزلته، وعن عيش هو التنسك بعينه... حكاية عن النفس العزيزة الابية تصطدم بعقوق المجتمع الجاهل، فترتد الى قوقعتها، منطوية على ذاتها، وتجد قلب الارض اشدّ حناناً ووفاء من قلب
