إذا أردت أن أتحدث اليوم عن المجاهدة الكبيرة هدى شعراوي بمناسبة ذكراها الخامسة، فإنما يجب أن أتحدث كذلك عن حقبة من الزمن أحاطت بتلك الوثبة المباركة التي تخطتها أول امرأة في شرقنا العربي ليعلم المستمع المتذوق كيف تسنى لتلك المرأة الواحدة أن تقود وراءها ملايين النساء وقد حملت بيدها الكريمة مشعل النور دون أن تعبأ بأئمة الدين أو تحفل بمجادلة المتزمتين أو تأبه بمناقشات المستحسنين مع أولئك أو هؤلاء. وإنما كان هدفها وحده إعلاء شأن المرأة وإنهاضها من ذلك المستوى الذي طال ركونها إليه، إنهاضها بالفعل بعد أن مهدت له باللسان مدة
من الزمن كانت على الرغم من وعورة المسلك مغربية مشعة أخذت عليها تفكيرها حتى أصبحت لا تني عن معالجته ليلاً نهاراً بعقيدة من الفولاذ.
أجل لقد كان مهّد لهذه الحركة الانتقالية بضعة أفراد مجاهدين بأقلام جريئة برّرة كقاسم أمين، وباحثة البادية ومي وسوى هؤلاء قليل، بيد أن واحداً منهم لم يجرأ على تطبيق ما قال، لأن تغيير وجه التاريخ والانتقال به من وضع إلى وضع آخر، ليس بالأمر الهين الميسور، وهنالك معتقداته الوراثية من دينية وتقليدية لذلك كان لا بد من وجود شخصية ذات عبقرية ثوروية واعتداد بالنفس لا يقف بوجهه حاجز، ونفس
مخلصة قوية لا تلين لها قناة ولا تستكين لها همة وجرأة... تنسجم مع عراقة محتد ونبالة نسب، وجبروت في شيء كثير من رقة المرأة ولين الأنوثة وبراءة الملائكة، يحيط بهذا جميعاً روعة جمال وطفرة ذكاء، ولقد كانت تلك الشخصية التي أعدها التاريخ لتكون وحدها نسيجاً فذاً فيه هي: هدى شعراوي.
هدى، هذه المرأة العجيبة، من يجب أن تُكتب في دراستها المجلدات، ومن يجب أن يُنصب لها في كل دار من دور الاتحادات النسائية، في كل قطر من أقطار العالم العربي نصب تذكاري من المرمر ليعرف الجميع أن هدى ستظل على الدهر من عباقرة نساء
العالم وعظيماته، اللواتي يجب أن يُحتذى بهن، ليس لأن حياتها كانت سلسلة طويلة من الجهاد تكاد تمتد إلى أربعين سنة؛ ولا لأنها كانت أول من رفع عن وجه المرأة برقع الجهالة والهوان ولا لأنها وقفت لتتحدى التاريخ فتقول له: لن يُخطّ بعد اليوم في سجلك المجيد رجال ورجال... بل نساء ورجال.. لا. لا لهذا، ولا لذاك، وإنما لأنها أرتنا وجهاً جديداً من وجوه النساء، وجهاً فيه إلى صباحة الجمال إشعاع من الفكر أخّاذ، وفيه إلى حنان المرأة ورأفتها الطبيعيتين صلابة الزعامة وفيه كذلك إلى نبل النسب وقار واتزان هي جميعاً هذا الشيء
(البقية على الصفحة ٤٨)

