تجتاز المرأة العصرية دوراً شديد الخطورة لانها في بدء دور انتقالي فيه تحاول الخروج من طور عبودية وجمود الى طور حرية ونشاط. إنها تسير في طريق مخفوف بالمصاعب لان المثل الاعلى الذي وضعته امامها وثيقة حقوق الانسان ـ الحرية والمساواة بالرجل في الحقوق ـ لا يزال حلماً تتجه نحوه، وليس في حال من الاحوال حقيقة واقعة.
ما الذي حققته المرأة حتى الآن من حرياتها؟ لقد اتيح لها دخول المدارس واكتساب العلوم فتحررت من الجهل والامية بمقدار قليل او كثير. واقلية من النساء طمحت الى الشهادات العليا ومارست بعض المهن الحرة. وساعدت الظروف المرأة ـ او ارغمتها في اكثر الاحيان ـ على تحقيق حريتها الاقتصادية بواسطة العمل المأجور والمهنة التي تكسب بها معيشتها. وفي اكثر بلدان العالم المتمدن توصلت الى نيل حريتها السياسية فاصبحت ناخبة ومنخوبة.
بواسطة التحرر الاقتصادي والتحرر السياسي تضع المرأة حجر الزاوية او الاساس الضروري لحرياتها الاخرى، الاجتماعية والفكرية والمدنية. لكن هذا لا يعني ان حصولها على حرياتها الباقية اصبح امراً مضموناً، لأن الحريتين السياسية والاقتصادية من غير حرية فكرية واجتماعية قد تصبحان للمرأة وسيلة استعباد لا تحرر. فالناخبة التي تأتمر بامر زوجها او احد ذويها تمارس العبودية السياسية بدلاً من الحرية. والمرأة التي تكسب عيشها بشغلها وتضع ذاتها تحت تصرف اهل يستغلونها او زوج طفيلي يستثمر تعبها قد رضيت بنوع جديد من العبودية، ليس اقل وطأة من عبودياتها السابقة.
قد يخيل لنا ان اعظم نجاح نالته المرأة العصرية هو في ناحية العمل او ناحية اقبالها على الوظائف والمهن. لكننا لو بحثنا هذا الموضوع بحثاً دقيقاً واخضعناه للتنقيب والاحصاء لوجدنا ان عمل المرأة لا يزال بعيداً عن ان ينصفها او يغريها بمتابعة النضال. فالمرأة العاملة، كالرجل العامل، بل اكثر منه عرضة للغبن واحق منه بالشكوى. فهي في اغلب الاحيان لا تساوي الرجل في الاجور، وان ساوته في الكفاءة وكمية العمل. ولو احصينا المعلمين المغبونين في اجورهم لوجدنا ان جميع الذين يتقاضون ثلاثين ليرة لبنانية في الشهر (لمدة تسعة اشهر فقط!) هم معلمات لا معلمون. فاصحاب العمل لا يجرؤون على استثمار
الرجل بهذه الصورة المخزية لكنهم لا يتورعون من استثمار النساء. فهم يشغلون العاملة في الخياطة نهاراً كاملاً باجرة لا تزيد على ليرة واحدة في اليوم. والمطرّزة والعاملة في اشغال الابرة الدقيقة لا تزيد اجرتها على المقدار الذي اشرنا اليه. والمرأة التي تدرس المحاماة لا تستطيع ممارسة هذه المهنة الا في احوال نادرة. والممرضة لا تلاقي من التقدير الاجتماعي والمكافأة المادية ما يشجعها على المضي في ممارسة هذه المهنة او يشجع غيرها على احترافها.
لكي تتحرر المرأة بصورة فعلية يجب اولاً ان يتم تحررها الخلقي. ثانياً ان يتحرر الرأي العام حولها من نظرته القديمة الى المرأة ومن تأثير الماضي المظلم الذي اذلها واضعف شخصيتها.
لأن اعداء المرأة كثيرون، اولهم المرأة نفسها: المرأة التي تستعمل حريتها للتبذّل والتبرّج والظهور وعرض مفاتنها الجسمية.
والتي تتخذ مفاتنها الجسمية وسيلة للنجاح في عملها.
والتي تجعل همها في الحياة اصطياد الرجل المثري وتتخذ الزواج وسيلة للتهرب من الشغل ومن المسؤولية.
والتي رغم تحررها الاقتصادي تتمسك بتقليد الخضوع والذل للرجل ومداراة اهوائه.
من اعداء المرأة، الجاهلة التي تدّعي العلم، والتي تقدم على بعض الاعمال من غير جدارة واستعداد، لظنها ان انوثتها تغفر لها قصورها وتخولها حق التطفل والغرور.
من اعداء حرية المرأة، المرأة الضعيفة الثقة بنفسها، الكسولة التي تؤثر الهبوط في المنحدرات على التوغل في الهضاب والمرتفعات، التي تنادي بضعف المرأة وعجزها الموروث، على مثال السيدة مرتا بوريلي التي وضعت كتباً بينت فيها ان المرأة تعدم الذكاء الخالق. لكن في كتاباتها من المغالطات والاضاليل ما يجعل اقوالها حجة عليها.
اعداء حرية المرأة هم ايضاً الشعراء والادباء ذوو النزعة الرومنطيقية، الذين لا يزالون خاضعين لتأثير القرون الوسطى وعهود الفروسية التي حسبت المرأة كائناً اثيرياً ومعبوداً يجب تدليله؛ سيدة محصنة في قصرها، مكبة على نسيجها، لا ترى العالم الا من نافذة ضيقة يتأوه تحتها العشاق والمتيّمون.
