البارحة بجانب مذياعي الصغير جلست اسمع حديث السهرة ، وما ان انتهى الحديث حتى قدمت لنا محطة الاذاعة اللبنانية « فرقة فليفل » في بعض اغانيها الوطنية . ولم تكن المرة الاولى طبعاً التي سمعت بها فرقة فليفل تنشد اناشيدها الممتعة ولكنها في الحقيقة كانت المرة الاولى التي جلست بها مصغية تمام الاصغاء لها ، فحركت اوتار قلبي ونفخت فيّ نفحة من الوطنية الحقة والشعور بالعز والقوة ...
بعدئذ جلست افكر بكياننا الوطني فشعرت ضعفاً شديداً في هذا الكيان وانعدام القومية الحقيقية من نفوس الكثيرين منا ... وأخذت أبحث عن الاسباب الرئيسية فبدت لي الاسباب كثيرة واضحة .. ثم عدت ابحث عن العلاج الناجع فوجدت علاجين هما اسمى من ان يتزجا مع بقية العلاجات ... علاجين هما في متناول كل فرد منا ألا وهما « البيت والمدرسة » ...
نعم البيت هو مهد الوطنية وفيه توجد نقطة الانطلاق نحو المجد والسؤدد . ولكن من هو الفرد الذي يجب ان يتعهد هذه الناحية التربوية في هذا البيت ؟؟ الأم بلا شك هي الموجه الافضل لهذه الغاية لأنها هي التي تستطيع ان تبث في اولادها روح الوطنية الحقة ، فترضعهم الوطنية مع الحليب وتعمر نفوسهم الحدثة بقوميتها الحقيقية ... نعم الأم هي الاساس في تقويم هذه الناحية البتراء في حياتنا الاجتماعية ...
إذن فعليك ... عليك وحدك سيدتي يقوم تقدم الوطن وتقهقره لانك انت المحور الاساسي لهذه النقطة الخطرة ...
الجيل الجديد في متناول يديك سيدتي .. فليكن جيلاً جديداً بكل معنى الكلمة : جيلاً تهابه الاجيال يتمتع بالوطنية والكرامة فيؤلف مجتمعاً جديداً نيراً يفهم اهداف امته فهماً صحيحاً فيكون قوة فاعلة محققة ويتمكن من العمل المنتج ...
انشئيه اذن بشتى الوسائل على حب الوطن منذ نعومة اظفاره ... فبدلاً من ان تسردي عليه قصص الف ليلة وليلة وقصة السندباد البحري وقصة اندروكلس والأسد التي لا تجديه نفعاً اسردي عليه قصة خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وفخر الدين المعني والأمير بشير وشهيد ميسلون وخولة بنت الأزور ...
لا تعلميه ان ينطق بالألفاظ الأجنبية كما تفعل كثيرات من الامهات ... فبدلاً من لفظة « Bonjour » دعيه يقول « صباح الخير » بملء فيه ، وبدلاً من لفظة « Merci » فلتكن لفظة « شكراً » .
وللمدارس الوطنية ايضاً نصيبها من الواجب ، فعليك حق كبير لشد أزرها ومعاضدتها لانها هي فقط التي تجند لك جيلاً واعياً مثقفاً قومياً وطنياً ...
اما كيفية ادخال هذه الروح التربوية الجديدة في نفوس الاحداث فهي سهلة جداً .. لتكن دروسنا كلها خادمة لهذا الاساس التربوي . ففي امكان المدرسة ان تبث روح الوطنية في كل درس من
الدروس ليس فقط في المدنيات والتاريخ بل وفي الحساب وغيره ايضاً .
فبدلاً من ان يكون العمل الحسابي مثلاً: رجل اشترى خمسين بيضة وكسر منها عشرين ، فما هو الباقي ؟؟ ليكن فرقة عربية واجهت خمسين صهيونياً قتلت منهم عشرين . فما هو الباقي ؟ وخمس كتائب من الجند في كل كتيبة عشرة جنود ومع كل جندي بندقية . فما هي عدد البنادق التي معهم ؟
هكذا نريد مدارساً تبعث الحماسة في نفوس ابنائها في كل موضوع من المواضيع كي يشربوا الوطنية شرباً ويستعذبوا طعمها فتهون عليهم التضحيات في سبيلها ...
إذن فلنعقد القلوب والقبضات على الوقوف مع المدارس الوطنية معاً والسقوط معاً في سبيل تحقيق هذا المطلب الأعلى ولنسر جماعة واحدة وامة حية تريد الحياة الحرة الجميلة ... امة تحب الحياة لأنها تحب الوطنية وتحب الموت متى كان الموت طريقاً الى الحياة ...
وهكذا وبعد هذا التضامن الحقيقي ينمو الجيل الجديد يوماً بعد يوم ليحمي الذمار ويشد ازر الوطن الحبيب فيصير هذا الجيل تلك الصفوف من الرجال يمشون وراء رايات الوطن ، يحملها جبابرة في الجيش تزحف غابات الأسنة صفوفاً بديعة النظام فتكون ارادة للأمة لا ترد .
هنا نشعر بكياننا ونشعر بنهضتنا الحقيقية ويشعر كل واحد منا بواجبه نحو وطنه ونردد جميعاً مع الشاعر ومع فرقة فليفل :
وطني لو شغلت في الخلد عنه
حدثتني اليه في الخلد نفسي

