الذي يفتقر اليه الرجل الزعيم، ذو الصلف والغرور والبطش والاستهتار.
لقد ارتنا هدى شعراوي وجه فتاة حَدَثة رف على عينيها حُلمٌ شيق مغر، فأسبلت عليه الاجفان بقنوت وتصميم، وراحت في شبه غيبوبة مستعرة تثبت به محاولة الا يفلت منها خشية الا يعود اليها ثانية، فان ثمة من يقف بينها وبينه ليقطع عليها الطريق، ففي الطريق وعورة لا تليق بقدميها الغضتين وعلى جانبيها عيون محملقة تكاد تلتهم هذه المفاتن البريئة، وبين كل خطوة وخطوة افاع تفح وعقارب تلسع.
ولكن هدى الحدثة، ذات الاهداف الكبار والافكار العذاب والرسالة العجيبة لم تعوج بما ترى، ولا وهن منها العزم ولم يلهها ما يلهي لداتها في تلك السن المبكرة، وفي وسط تلك البيئة الغنية التي نشأت فيها على الرفاهية والدلال واللامبالاة، لم تغرها القصور بما امتلأت ولا دنيا الشباب بما حفلت، فان فوق هذا جميعاً ما يملأ تفكيرها ويستحوذ على عقلها.
ان هذه الدمية الفاتنة حبيسة الدور المشيدة، هذه المرأة من ام واخت وزوجة وابنة، هذه التي تؤمر فتطيع، وتُسن لها القوانين فتتقبلها صاغرة غير معترضة ... ماذا يضيرها لو عرفت انها انسانة حقة، لها ما للرجل من خصائص الفكر، ومن حقوق الحياة والحرية، لا فرق بينها الا بنعومة الانوثة، وخشونة الرجولة، او على حد التعبير الطبي بسيكولوجية دقيقة ليس لها اي دخل في الادراك او اي فارق في المواهب العقلية.
ثم ما يضيرها هي لو جعلت من نفسها نبراساً يضيء لهذه المرأة الطريق القويم، معتمدة في ذلك على مكانتها الاجتماعية المرموقة، ومالها الخاص الوفير، وذكائها وجمالها، وعلمها، واتساع افق معلوماتها.
وهكذا ولت هدى شعراوي وجهها نحو الأمل الذي اقض مضجعها واشغل نفسها، وراحت تشق له الطريق الشائكة بقلب جريء لا يخاف في قوله الفصل، لومة لائم ولا يثنيها عن عزمها اقناع المقتنعين ولا زجرة المتمسكين.
وراح الحُلم الوضيء يتحقق رويداً
رويداً، وأخذ النور يبدد حجب الظلام
واحدة واحدة، فما اجمل الجهاد اذن..
ويا للأماني الحلوة اذا ما تحققت ...
لقد شقت طريقها اولاً في التمهيد لما
تريد بين الأسر وفي المجتمعات، فلما لم
تجد اذناً صاغية او قلباً واعياً، اخذت
تدعو الى تأسيس الجمعيات من خيرية
وادبية، فألفت سنة ١٩١٢ جمعية الرقي
الادبي للسيدات. ثم بدأت باعداد سلسلة
من المحاضرات في الجامعة المصرية القديمة
حوالي سنة ١٩١٤ تدعو النساء اليها
فيلبين الدعوة مضطرات او متكلفات،
ثم مندفعات متحمسات، وراحت تشترك
في اعمال البر والاحسان فتشرك معها
سيدات الطبقة الراقية مؤازرات لا
يرجون على ذلك حمداً ولا شكوراً.
وعلى أثر نشوب الحرب الكبرى
الاولى تزعمت هدى الحركة النسائية في
مصر، وفي الثورة الوطنية المصرية ١٩١٩
ترأست لجنة الوفد المركزية للسيدات.
وما ازفت الساعة الموعودة حتى كانت في
طليعة الالوف من المتظاهرات يهتفن من
ورائها للحرية الحمراء معرضات صدورهن الحافقة بالوطنية لنيران المستعمر، باذلات حياتهن رخيصة فداء لمصر وللحرية الغالية.
وفي سنة ١٩٢٣ دعا الاتحاد النسائي الدولي مصر لتُمَثَّل فيه، فلبت هدى الدعوة وسافرت الى روما مع بعض المصريات الزميلات، وهناك اتجهت اليها الانظار مدهوشة، ذلك ان الغربيين لم يكن يخطر لهم على بال ان المرأة الشرقية قد بلغت هذه المكانة الرائعة من المظهر والذكاء والجرأة.
ولما عادت الى مصر كانت اول ما فكرت فيه هو رفع الحجاب عن وجه المرأة ليتسنى لها ان تجاري الغربية في نشاطها. ونفذت الفكرة بطريقة لبقة أخاذة ذلك انها عندما هتف لها آلاف المستقبلين في ميناء الاسكندريه من رجال ونساء، رفعت الحجاب عن وجهها بسرعة وألقته في البحر ... ثم ردت لهم التحية سافرة شاكرة.
وكومضة البرق رأت المستقبلات يرفعن حجوبهن ثم يرمينها الى الارض غير مترددات مقتديات بها مشايعات لها حتى في هذه المرحلة الفاصلة. وهكذا قدّر للمرأة العربية ان تخطو خطوتها الكبيرة الاولى على يدي اول زعيمة لم يستطع الرجال ان يقفوا بوجهها ولم يستطع التاريخ. ذلك لأنها ذات حفاظ يلجّم الألسن وذات اعتداد يفرض نفسه على الزمن.


