لم تكن « سهاد » كسولة خاملة ، او عادية بليدة ، لتعمد الى الفراش باكراً كما نوت ان تفعل ليلة ٣١ كانون الاول التي فيها تهيأت شتى الصدف والمبررات - اهمها ما يفرض في المساء المعلوم من كل اسبوع ، في لبنان ، ابتداء من خريف ١٩٥٣ مع شتاء ١٩٥٤ الى ... اعني غياب الكهرباء عن الحي الذي تعيش فيه مع عائلتها . فيغلب ذلك الموعد مغبة ضيف ثقيل ، يؤزم الامور ويجرجها - لان زوج « سهاد » يضيق ذرعاً بالوقت المعتم الطويل ، واطفالها يستسلمون للصياح والعويل ، وهي في نضال اعشائهم وابداعهم المهاد ، حتى يغطوا في ثقيل من رقاد ، نهاية ملحمة بدأت من الخامسة ، دارت حوادث ابطالها الصغار والكبار على ضوء خافت من البترول والشمع ثم تليها المهزلة بين « سهاد » وزوجها حين يجلسان متجابهين في الردهة قرب النار بعد العشاء « والمرأة تملكها الاعباء تفغر شدقيها وتغلقهما ، لتفتحهما ثانية مع آهة مملة مضنية . والزوج ، وقد ضاغ عنه ايناس صوت المذياع ، فانه يتخذ للنعاس شكلاً مغايراً لتثاؤب امرأته ، فهو يهوّم تهويماً ، بهز الرأس بعد غطة من النوم ، لينظر بعدها من شق جفنيه المغمضتين اليها - فلا يجدها . ثم يتثاقل من كرسيه الى غرفته مصحوباً بالمصباح الزيتي ليتم قراءة رواية بوليسية في الفراش .
وهي باتت تحت الاغطية ، منذ زمن ، خيل اليها ، بعيد ، في غرفة محاذية . والساعة ... ولا تسل عن الساعة المطاطة ، الساعة الان .
- كم تكون الساعة يا « رجّال » ؟
- قرابة الثامنة والنصف ، بعد قليل ويأتي النور .
- فاتني بان اخبرك . الجيران حجزوا لنا طاولة معهم لمساء رأس السنة غداً . والحقيقة فالظلام لا يخلو من المحاسن . لان راحة ليلة قبل ارق اخرى امر اجدى واجدر .
- هذه فلسفتك انت ، واتمنى لك نوماً هانئاً . اما انا فدعيني استقر الى قصتي التي فيها كاد يتم للعصابة الفرار بالقاتل . هل عساك مريدتني حتى عشية ٢ كانون الثاني لاعلم ما جرى في هذا المأزق المثير ؟ !
- كل ما يهمني بان تحذر اثارة لهيب القنديل وانت تبالغ في حض النور . وشكرت ربها لانها لا تتذوق الروايات البوليسية ولا تطيقها . وكان ما توقعت حدوثه . حيث لم تمض ثوان عدة حتى علا اللهيب ونفث الدخان السنته السوداء ، ذات الرائحة السامة القتالة ، وتهددت الزجاجة بالكسر ، فهتف بها


