كلما مرت مواكب النسوة الخالدات ، من ملكات وفاتنات ، اميرات ومكتشفات ، رأيت في مقدمتهن امرأة ، رداؤها الكتاني طويل يمس الارض ، على خصرها زنار عريض يشده ، وعلى رأسها منديل كبير ابيض يغطي الرأس والكتفين وقسماً من صدرها .
لقد سارت راعوث في مواكب التاريخ من ثلاثة آلاف عام ونيف ، ولكن اسمها لا يزال في سجل الخلود كمثل المحبة السامية التي تكافئها ـ لقوة سموها ـ الارض والسماء .. ولقد سجلت التوراة ـ اقدم كتاب تاريخي ـ سجلت بين دفتيها
اسماء نسوة عرفهن العالم ، بينهن ايزابل شر الملكات ، والمجدلية الخاطئة التائبة وغيرهما ، ولكن راعوث ظلت دائماً ابداً الانشودة العذبة في الاجيال .
قبل آلاف السنين حل قحط ببيت لحم وما حولها ، فهاجر منها ابيالك وزوجته نعمى وولداه الغلامان في طلب الرزق ، وعاشا سنوات في الغربة توفي خلالها رب الاسرة وكبر الغلامان ، ثم ماتا كلاهما وتركت النسوة الثلاث ، اماً ثكلى وارملتين شابتين .
واسود المهجر في عيني نعمي فقامت لتعود الى بيت لحم ، وخرجت وكنتاها معها لوداعها خارج المدينة ، ووقفت الحماة الثكلى وقبلت الشابتين وبكت الثلاث ، وقالت نعمي : ارجعا يا ابنتي ، لماذا
تذهبان معي ، هل في احشائي بنون ليكونوا لكما رجالاً ..؟ ، لا يا ابنتي ان نفسي مرة لاجلكما ، فعودا الى اهلكما ، وليعطكما الله ان تجدا راحة كل واحدة في بيت رجلها .
وارتفعت الاصوات بالبكاء ، وقبلت الكنة الواحدة حماتها وعادت راجعة ، اما راعوث انشودة المحبة الخالدة فلم تفعل ، قالت : لا تلحي علي لانني لن اتركك ، حينما ذهبت اذهب وحينما مت اموت ، وهناك شعبك وموطنك موطني ، انما الموت يفصل بيني وبينك .
ولم تجد الحماة كلمة تقولها ازاء هذا التصميم فسافرت المرأتان معاً ، ودخلتا بيت لحم فاهتزت المدينة ألماً لمأساتها المريرة ، وخاصة والمرأة الشيخة التي كانت تقول : لا تنادوني بعد اليوم نعمى ، بل مرّه ، لأن القدير امرّ في ذهبت ملآنة وعدت فارغة .
وابتدأت راعوث تعمل لتعول نفسها وحماتها ، وكان الوقت وقت حصاد الشعير والسهول الممتدة من بيت لحم الى المدينة المقدسة تموج بالسنابل المذهبة الحانية رؤوسها لثقلها ، وخرجت راعوث في اليوم الاول لتلتقط من وراء الحصادين الحبات او السنابل التي افلتت من ايديهم ، وجاء صاحب الحقل « كهل طيب » ورآها وسأل عنها فعلم من هي فاوصى الحصادين بها خيراً ،

صدر مؤخراً في باريس مؤلف جديد عنوانه :
Poènes français de Poètes Etangers
( قصائد فرنسية لشعراء اغراب ) وذلك باشراف لجنة قوامها السيد جورج لوكونت عضو المجمع العلمي الفرنسي وغيره من كبار الكتاب المعروفين ، والمؤلف يقع بمجلدين وهو متوج من المجمع العلمي الفرنسي . وقد انتخبت اللجنة المذكورة من شعر الاستاذ رياض المعلوف بالفرنسية قصيدة عنوانها :
( لا رومبا La Rumba ) فنهنئ الشاعر وننشر له للمناسبة هذه الايات الجديدة :
نكأتْ جروحك لي جروحي
روحي بحق الله روحي !
قلبي تعذبه عيونك فهو كالطير الذبيح ...
عيناك جوهرتان غاليتان في الوجه المليح
لا تأملي شيئاً من الحب القديم ولا تنوحي
قلبي أنا أضحي لغيرك فاطمئني واستريحي
سرٌ تكفن في الضلوع ولا أبوح فلا تبوحي !
وهوى بريء طاهر ما بين روحك ذي وروحي
صافي النوايا مثل حب المجدلية للمسيح !!
زحلة عن الكوخ الاخضر في ١٧ كانون اول ١٩٥٣رياض معلوف