
نعمى ، وجمهوراً من اهل المدينة ، ثم قال امام الجميع ، ان نعمى تود ان تبيع قطعة الحقل التي لاخينا آليمالك ، فقلت انني اخبر الولي الاول ، امام شيوخ المدينة واهلها ، لعله يود ان يشتري ، فان لم يفعل فانني فاعل ، ولم يشتر الولي الاول ، فاشترى بوعز ، وأشهد الشيوخ والحضور بانه اشترى كل ما لزوج نعمى وولديها ، كما انه سيأخذ راعوث زوجة له ليقيم اسم زوجها الميت على ميراثه فلا ينقرض .
وتزوجت راعوث ، وولدت ولداً ذكراً فقال الناس لنعمى ، انه ابنك ، لان كنتك التي احبتك ولدته ، وهي خير لك من سبعة بنين ، فاخذت نعمى الصبي ووضعته في حضنها ، وعكفت على تربيته وشب عوبيد ابن راعوث ليلد يسمى ابا داوود النبي ، ولتصبح راعوث جدة للنبي والملك داوود لينبثق من صلب داوود السيد الفادي .
تلك قصة راعوث الخالدة التي سجلها الكتاب المقدس بين دفتيه فكررتها الاجيال ، وامام هذه الشابة ، هذه الشخصية الفياضة بالحب والوفاء يحار المرء .. فهو يجد فيها الرقة المتناهية كأنما قد اصبحت حماة المرأة ـ للمرة الاولى والاخيرة في التاريخ ـ اماً حقيقية ، تضحي ابنتها لاجلها بمستقبلها واهلها وموطنها وكل شيء .. لقد كان بامكان راعوث ان تجد بين قومها زوجاً كما قالت لها حماتها .. وكان بامكانها ان تجد بين افراد عائلتها العزاء الذي لن تجده في رفقة هذه الشيخة الثكلى التي اصبحت كل حياتها سواداً في سواد يثقل على شابة
احتماله مهما كان المها لان الامل في نفسها حي نيّر .. وكان بامكانها ان تجد لقمتها بين قومها ، واذا لم تجدها فانها تعمل لاعالة نفسها وحسب ، لا لأعالة مخلوق آخر معها هو حماتها .. ولكن الشابة الكريمة الخلق ضحت بكل شيء .. لم تر في هذه المرأة الشيخة الا اماً ثكلى مات ولداها الشابان معاً بعد زوجها ، وظلت في الدنيا وحيــدة بائسة ، فكيف تتركها ؟
ونجد في راعوث الحنان المتناهي ، فلقمتها ، وحتى حبات القمح الفريك التي اعطيت لها لتأكلها ، تُبقي منها قبضة تحملها الى الشيخة المسكينة .. اي حب .. اي عطف .. اية انسانية ..
ونجد في راعوث بعد ذلك ثقة عمياء بالشيخة وطاعة مثلى لها ، لقد اخبرتها منذ اليوم الاول بكل ما جرى لها في الحقل ، ولم تنس اسم صاحبه ولا لطفه معها .. ثم تركت للشيخة ان ترسم الخطة .. افعلي كذا يا ابنتي ، وافعلي كذا .. وفعلت الشابة ، نفذت التعليمات حرفاً حرفاً ، فكانت النتيجة كما توختها الشيخة .
ونجد في راعوث بعد كل ذلك امرأة فضلى ، تود ان تعيش بعرق جبينها ، وترنّ في آذاننا كلمة الولي وقد وجدها عند قدميه في منتصف الليل ، مباركة انت يا ابنتي لانك لم تركضي وراء الشبان اغنياء كانوا ام فقراء ، ان كل المدينة تعلم انك امرأة فاضلة ..
وبعــد ، فكم يكفر الناس بالخير ، وكم يرددون ان لا مكافأة في الدنيا ، ولا السماء تحس بما تفعل .. فهل فكّر
هؤلاء وامثالهم بقصة راعوت ؟ .. لقد احبت كثيراً فتضوّع اريج حبها واشتمه الجميع ، وتضوّع كذلك اريج تضحيتها وفضيلتها وكرم خلقها، فعطف كل مخلوق عليها ، وكانت النتيجة هذا الزواج الموفق من هذا الرجل الثري الحكيم الذي كانت تتمنى ان تظل تلتقط القمح والشعير في حقله ، وكذا وجدت في غربتها موطناً ، احبها فيه الجميع واحترموها ، ووجدت بعد فقد زوجها زوجاً كريماً نبيلاً .
اما مكافأة السماء فما اعظمها ، ان تصبح هذه الفتاة التي كانت فكرة خالدة في التاريخ وان تصبح جدة لرجل من اعظم رجال العالم هو الملك والنبي داوود ثم ان يأتي من صلب داوود حفيدها السيد المسيح .
اجل ان الارض تكافىء ، وان السماء تكافىء لا شك في ذلك ، ولكن شرطاً واحداً هو ان لا نعطي باليد الواحدة بينما نمد الثانية مفتوحة لتقبض المكافأة ، انها عندئذ تسخر منا لانها تودنا ان نحب لاجل عظمة الحب نفسها ، وان نبذل لاجل متعة البذل نفسها ، وعندئذ تهطل بركات السماء علينا .
