فلسطين ، في الناصرة ، هذه البلدة الصغيرة بمساحتها المجيدة بتاريخها ، في هذه البقعة الحبيبة من الأرض ولدت نبيلة جورج !
ومرت الأيام والأشهر والطفلة تنمو وتحبو مرحة بين أهلها . وسارت خطواتها الأولى ضاحكة بين ضحكهم ! وانقضى العام الأول من عمرها فإذا بها تعود إلى فراشها وقد أصيبت بشلل الأطفال !
سبع سنوات طويلة انقضت والطفلة طريحة الفراش تنظر إلى إخوتها ورفاقها يلعبون فتجلس بين وسائدها تقلب ما بيدها من لعب وتخط بقلمها على الورق صوراً صبيانية بدائية بسيطة !
سبع سنوات والأطباء يعودونها ، يكافحون وأهلها المرض حتى تمكنت من السير البسيط فأرسلها أهلها إلى المدرسة الألمانية تاليتا كومي Talita Koumi وخصصوا لها راهبة تعنى بها وتسهر على راحتها !
وبدأت دروسها الابتدائية ومنها أصول الرسم ، غير أنها كانت سائرة دوماً على الطرق التي تتبعها أستاذة الفن . واحتدم الخلاف أخيراً يوم الامتحان فإذا بعلامتها واطئة ! وقامت الطفلة إلى مكتب المديرة وبيدها دفتر رسومها ! وطبعاً سويت المسألة فنالت العلامة التي تستحقها !
وعادت إلى البيت بعد مرحلة الدروس الابتدائية فجعل
الاساتذة يأتون إليها لتعليمها الموسيقى - البيانو ، واللغات - العربية ، الانكليزية والالمانية .
كانت تحلم بإنهاء دروسها العالية ، كانت تحلم بدرس الطب ! فوقفت صحتها تقفل في وجهها طريق أملها .
لم تدرس الرسم ! كان لها هواية ، كان لها ترفيهاً !
وفيما كانت أم عزيز الغسالة تغسل ثياب العائلة في إحدى المرات كانت نبيلة تمر بقلمها على الورق أمامها ! وجمدت الغسالة وهي تحدق بصورتها متعجبة بينما كانت نبيلة تخط تحت الصورة « غسالتنا أم عزيز » وأخذت مدرسة السان جورج ( مدرسة المطران ) بالقدس لوحتها الأولى فعلقتها في إحدى أروقتها !
في ذلك العام ، عامها الثاني عشر أقامت المعرض الأول للوحاتها ! كانت فخورة بنفسها ! كل هؤلاء الزوار ، كل رواد المنزل أتوا ليروا ما حققته هي ! أتوا البيت - حيث أقامت معرضها الأول - من أجلها هي !
وتمر الأيام والسنوات بطيئة وهي تمر بريشتها فوق لوحاتها تعبر عن ألمها الجسدي والنفسي !
وتأتي بيروت وهي في الثامنة عشرة من العمر .
وتقسّم فلسطين - بلدها - وتحل النكبة نكبة جديدة في قلبها فيعم لوحاتها الحزن والجو الداكن .
وشهد رأفت مجيري ، الفنان اللبناني ، لوحاتها ، فعرف موطن العبقرية فيها وبدأ يشجعها وأصبح ناقدها ومرشدها الفني كان يحاول رفعها من وهدة اليأس الظاهرة بلوحاتها . طلب منها تعريف العالم البائس إلى الجمال - إلى المرح .
ووقف والدها قربها يعينها ! كم من الليالي سهرها معاً وهي ترسم وهذا يشجعها على تحمل التعب وتحمل الألم ! كم شعرت بالراحة بعد عمل أيام وهي ترى والدها يبتسم للوحة أنهتها !
« أردت دوماً الاعتماد على نفسي في قسم من معيشتي . وكنت أعرف أن الفن لا يغني عن جوع . أردت العمل بالإبرة وبحياكة الصوف ! غير أن أبي كثيراً ما كان يختطف الخيط من يدي واضعاً الفرشاة مكانه وهو يقول : « هنالك الألوف من يحيكون ويطرزون ، ولكن ابنتي من هؤلاء القلائل الذين