هو عصر المادة . ليس من ينكر هذه الحقيقة . ومهما كان تأثير افلاطون وروحانيته بليغاً في نفوسنا ، لا يسعنا الا ان نبارك المادة ونؤمن بها ، لانها اداة العلم الذي سهل لنا سبل العيش ، وزاد حياتنا خصباً ورفاهية ، وفسح امامنا مجال الفراغ الذي يغرينا بالانصراف الى ملاهي الفكر ، الى الامور الخارجة عن نطاق المادة .
لان المادة ، ككل شيء آخر ، تستطيع ان تكون اداة خير او اداة شر . وذلك يتوقف على كيفية استعمالها . فالذي يجمع المال لينشئ مختبراً للابحاث الطبية او حديقة عامة او ملعباً مجانياً للاولاد يختلف اختلافاً كبيراً عن ذاك الذي يجمع المال لبناء قصر فخم لسكناه او للقيام بمشروع استثماري يزيد به ثروته .
والذي يشتري سيارة لحاجته الى اختصار المسافة الطويلة التي تفصله عن محل عمله يختلف عمن يشتري سيارة لمجرة المباهاة والظهور . وهناك فرق بين الذي يسعى للحصول على دخل يكفيه لسد حاجاته من ضرورية وكمالية وذاك الذي يجمع المال وكلما ازداد دخله ازداد شرها ورغبة في الجمع . والفرق شاسع بين المرأة التي توفر من دخلها لمشتري جهاز جديد للطبخ او لانشاء مكتبة وتلك التي تدخر منه لتملأ خزانتها بفساتين غير ضرورية او لتزيين غرفة الاستقبال باشياء لا فائدة منها .
ليس اقتناء المال عيباً بل العيب في الشره والطمع والانانية والتبذير والمبالغة في الحرص وتحصيل المال بطرق غير شريفة . جميع هذه العيوب قديمة في الناس او هي من صنف الامراض المزمنة واذا ظهرت لنا اليوم اكثر تفشياً في المجتمع واشد فتكاً ، فذلك لان عوامل جديدة قد سهلت تفشيها وانتشارها .
من تلك العوامل مغريات المدنية الحديثة التي لا يسلم احد منا من الخضوع لسحرها والافتتان ببريقها . من منا لا يود السكن في بيت حديث الطراز ذي حمام ومطبخ عصريين ؟ ومن منا لا يرى ضرورة اقتناء راديو وآلة من آلات الموسيقى وبراد وجهاز حديث للطبخ ومكتبة وصيدلية بيتية ؟ ومن منا
لا يسلم باهمية الانفاق على العلم والقيام ببعض رحلات ثقافية وبمقدار من النشاط الرياضي وحضور عدد من الافلام السينمائية والحفلات الموسيقية ؟
جميع هذه الاشياء التي لم يحلم بها اجدادنا ، حتى الاغنياء منهم ، اصبحت اليوم من مستلزمات المدنية العصرية ، وهي في متناول صغار الناس وعمالهم في الاقطار المتمدنة التي ترى في آلات العصر الحديث ومكتشفاته ما يخفف اعباء العيش ويرفه عن ابنائه الكادحين .
في هذه البلاد التي كانت وما تزال معبراً لشعوب الدنيا ، ومركزاً تتسرب اليه الافكار والحضارات لا يستطيع الانسان العادي الا ان يتأثر بما حوله ويطلب مستوى اعلى من العيش .
قد يكون صاحبنا هذا من اولئك الذين بلغت مسامعهم افكار حديثة تقول ، كما قال فلاسفة القرن الثامن عشر ومن جرى مجراهم ، ان الناس خلقوا احراراً ومتساوين في الحقوق . فيفسر هذه الاراء على طريقته الخاصة ويظن ان المساواة في الحقوق تعني المساواة في المال وفي المركز الاجتماعي ، فيتساءل لم لا يحق له الاثراء نظير غيره ؟ لماذا يبقى فقيراً معدماً قانعاً باليسير من شؤون العيش مع ان الشرائع الانسانية تعترف له بالمساواة ؟
ولعل صاحبنا قد اتصل بفريق من الغربيين الذين عبثت باخلاقهم كوارث الحروب المتواصلة وزعزعت ايمانهم بمبادئ الصدق والنزاهة فاصبح يرى رأيهم في تبرير المذاهب الوصولية وارضاء شهوات النفس على حساب الضمير والوجدان .
ويزيد افكاره بلبلة وايمانه زعزعة ان يرى اناساً كانوا مثله او دونه في المركز الاقتصادي والاجتماعي قد ارتفعوا فجأة الى قمة الوجاهة والثراء . لماذا ؟ لان طريق الغنى السريع قد توفرت لهم فلم لا تتوفر له هو ؟ ان بعضهم تجار اثروا عن طريق الاحتكار ايام الحرب ، بواسطة اساليب معروفة من الرشوة والنفاق ، والبعض الاخر سخروا ذواتهم لاصناف الدعايات السياسية ، وفريق اثرى اصحابه بفضل الهجرة الى الاقطار البعيدة او القريبة ، وفريق آخر اصهروا الى بعض المثرين الذين بسم لهم الحظ فجمعوا المال من غير تعب وحاروا في كيفية انفاقه .

