

قريباً من المغارة عند سفح التلوسط غابة السنديان القديمةينتصب المعبد ...وهناك قريباً منه تجثم قريتنا الوادعة.النهر المتدفق من المغارة يغني لها صباحاًوأمواج الشاطئ القريب تهدهدهافي المساء لتنام .
وأما في الليل ... فتطوف الآلهة .وتنتثر عذارى فينيقيا فوق الربى ،حلقات ، حول النيران المتأججة ينحنعلى تموز .
اللهب الأحمر يوشحهن بالفتنة ، ورائحةالبخور الزكية تضمخ الأجواء بالحبوالخشوع ...
وتطوف عشتروت بجمهور الراقصاتالنائحات مجلبة بالحزن والدموع ..ثم لا تلبث أن تدخل الغابة إلىالمعبد لتنفرد بنفسها ،وتبكي الإله الذي عبدته ، والذيمات دون أن تظفر منه بقبلة .
هذا ما كانت تتناقله الألسن في قريتناوهذا ما كانت تقصه عليّ جدتيحول الموقد أيام الشتاء .بل أضافت تقول :« ومنذ ذلك الحين يا صغيرتي ،كل من يدخل المعبد ليلاً ويسكبقطرات دمه على المذبح .. يمنح سؤلقلبه ... ولكن ... يخشى أن يحمللعنة عشتروت إلى الأبد ... لا سيماالمحبين » .
وهكذا عشت طفولتي في عالمبعيد ... بعيد عن عالمنا هذا .رفيقي طفل أجمل من زهرة المرجالندية وأعذب من شعاع الصباح الهادئوكنا نقضي الأيام معاً .عند باب المغارة وعلى حفافي النهرإلى مصبه على الشاطئ ،في ظلمة النواويس الكثيرة المنتشرةحول القرية ... وبين التماثيل ،تحت ظلال غابة السنديان القديمة ،وفي داخل المعبد على حجارة المذبح .
وجاء عهد الشباب ...وشبّ رفيقي عن الطوق .ولكنظلت أحيا وإياه .. وأعمل معه ،وأسير في غدوي ورواحي إلى جانبهكأحلى ما يكون الأصدقاء الأوفياء .لقد أحببت رفيق المهاد وسمير الصباوأنزلته منزلة الشغاف من قلبيوالسواد من عيني .
وفي أيار ..في إحدى الليالي ... والقمر بدرتتكسر أشعته على أوراق الأغصان،وتتلألأ كطريق المجد فوق صفحةاليمّ الساجي ،
في منتصف الليل ...رأيتني أسير وحيدة وبخطى ثابتةجريئة ..إلى المعبد ...وانتهكت حرمة العتمة في الغابة ..ورحت أدوس دنانير النور المبعثرةعلى أرضها ... وانتهيت إلى المعبد .هناك أمام المذبح جثوت أبتهلالعرق يتصبب من بدني والدموعمن عينيّوانتظرت جواباً .ولكن من يجيب ؟بلى .. لقد قالت جدتي أنه لا بدمن جواب .ونضوت ثوبي عن صدري ورحتأجرحه بمجر ذي حدين ..فسالت دماء قلبي حارة تغسل حجرالمذبح أمامي .وانهمرت دموعي غزيرة علىوجنتي ... وسمعت صوتاً مؤاسياً يقول :ماذا تبتغين يا امرأة ؟فأجبت : لي رجل أحمله دماً في قلبيونوراً في عينيّ ، أتيت به إليك لتمنحهأجل البركاتقال : وما هي أجل البركات التيتطلبينها لفتاك .قلت : أيها الواسع الإدراك ، يا غنيالفهم والمعرفة أنت أدرى بالخير للإنسان ،وبما يجول في أعماق نفسي من طلبات ،أفضلها أفضلها يا واهب النعم .فأجاب الصوت :حسناً لقد استجيبت صلاتك وسيعطىسؤل قلبك ... اذهبي بسلام .