
( بقية المنشور على الصفحة ٧ )
ــــــــــــ
لتتدبر الامر ، وحضرت « سهاد » لتعالج المشكلة ، والفتيل يأبى طلوعاً او نزولاً ؛ ولم يسعها الا وتطفأه ؛ وتتجرع تأففات زوجها المتواصلة لانه سيضطر انتظار عشر دقائق مغمسة بالظلمة .
وما كادت تستقر اعضاؤها المرتجفة في مضجعها حتى تدارك الى اذنيها غطيط زوجها المنتظم . فتقول لنفسها بان الظلمة تحدث تحت سترها اكبر عجائب الدنيا وغرائبها . يكفي بانها اعطت « سهاداً » شبه نصر لرأيها ، يهد امامها وزوجها استقبال عام جديد بباع اكيد من سهر مديد فكانت طبيعتها مزودتها بتناقض شعاره « يوم نساء ويوم نسر » ، بالخلاف عن منطق زوجها واعتداله . بيد انها تذكرت انه سبق وادارت مفتاح الضوء على منضدته - ايذاناً بانتهاء الازمة - فتنهض فوراً لتجس الارض باطراف اصابعها خشية ايقاظ السكون وتفادياً لانطلاق النور المكنون .
وعادت تدثر من جديد . وقدماها من جليد . واسنانها تصطك وهي لا تنفك تكوم الاغطية حول رأسها محاولة ان تخلد الى النعاس مرة اخرى . واذ بالضوء الكهربائي ينفجر ضاحكاً منها في سقف غرفتها - فتنهض مبهورة البصر والانفاس ، وتندفع الى المفتاح على الجدار لتسكت سخريته من رقادها الموهوم ودفئها المهضوم . وتذرع الردهة الى باقي الغرف لتتفحص ما اذا من نور منسي ، مع انها حرصت الا تخل بواحد . ولدهشها تلقي المطبخ مضاءً ، ولحنقها تجده قدراً يدل على تغاضي الحادمة مهامها . كما وان الصحون والاوعية
والاناء والادوات في شغب اسفرت نتيجته عن بعض الضحايا ولا بد !! واخذت الهواجس تنتاب رأسها فيما لو تعمدت الحادمة الاهمال . فيرجع الى اذنيها - وكأنه منذ اعوام - صراخ ابنها الصغير لها كي تجالسه في الظلام ، ولما دلفت لنتفقده وجدتها بقربه هامدة وسنة .
ثم رجعت ادراجها موزعة البال ، تدفئ برودة الفراش ببرودة جسمها - ولم تدر ايها ابرد ، وعادها التناقض والحيرة . ورأت نفسها تلجأ الى فلسفة التسليم للاقدار ، معالجة الموقف بالتفاؤل . فلا حاجة للانقباض . لان الليل ما زال باوله . وامامها ثمان او تسع ساعات كاملات تنوف عن مطلب الرضع الى النوم . وللسبب عينه حلت محلها فلسفة الواقع الانتهازية تنقض عنها التكاسل وتأتي بعمل منتج - الحياطة اكداس ، والرتق اكوام ، ومر زمن لم تمسك فيه بكتاب ... ولكن ما الحيلة لقد سرى فيها الاغفال وتحررت من كل عقال . فاهلاً برقاد هنيء نقيضاً لما يخبئه مساء
... كان رجل هندي مديد القامة ، نائماً ، وأحس فجأة بالبرد يلسعه ، وتبين له ان الحرام فوقه قصير لا يغطي قدميه ... فما كان منه ، تلافياً لهذا النقص ، الا ان قص من الحرام شبراً من جهة الرأس ووصله بالطرف الاسفل .. وهكذا تغطت قدماه !!...
غد من مسرات ومفاجآت ؛ فمرحى يا سبات !!
وكانت قد استعادت سكونها ، واخذ الكبرى يداعب جفنيها ، والدفء والارخاء يهددان اعضاءها ؛ فاستسلمت الى شبه غيبوبة . ومرت امامها حلبة الرقص - تلك الموجة الصاخبة المتلاطمة - حين تخفت عنها الانوار عند دنو الثانية عشرة ، وتتعالى الصيحات والهنافات . وتدق الابواق ، وكأنه يوم الحشر ، وتصفر الصفارات ، وكأنه النشر ؛ ويصم الاسماع النقر والزمير والرنين .. انه الرنين ولا شك اقوى الاصوات . انه يرن بجدة دون هوادة ، والحاح دون ما ارتياح ؛ ها هو يرن في اذنيها ريننا عنيفا ، انه هنا ... اذن هي في البيت في السرير ... وتتوائب على نفسها كمن مسه جنون ، وتهرع الى الردهة وتنقض على المسماع :
- آلو . نعم . - السيد - ؟ - هنا بيت عم السيد - هو ساكن في الطابق الاسفل . - اعلم . فقط اريد مكالمته في امر ضروري . - من المرجح انه غائب عن المنزل في مثل ليالي العطلة . - حبذا لو تأكدت ان كان موجوداً ! - آسف . الجميع نيام عندنا ، أمن رسالة ؟ - صديقة له تود سؤاله عن برنامج سهرة العيد . - بالطبع ، تلفني غداً . وعمي مساءً . وعاماً سعيداً سلفاً .
( وبعد ان ارجعت المسماع )
- رمتك الدُّهْياء . انت والكهرباء !!