بدأ استعباد المرأة في التاريخ بظهور عهد الملكية الخاصة. هذا العهد الذي شهد انتصار الذات الفردية على الذات القبلية، وإثبات الإنسان وجوده في الآلات التي اخترعها وفي الأرض التي تسلط عليها بمفرده بعد أن كانت مشاعاً في القبيلة، شهد أيضاً استبداد الرجل الفطري وانفراده - دون المرأة - بملكية الأرض والعبيد والنساء والأولاد.
لأن الإنسان الفطري اعتقد أن الأرض التي يملكها تخلّد ذكره بعد الموت. فهو يموت وهي تبقى.
ومن الضروري أن يرثها أولاده من بعده ليتعهدوها بالحراثة والعناية ويقدموا بذلك فروض العبادة لأرواح الجدود الكامنة تحت طبقاتها أو الحائقة في سمائها.
ولأن الذكور أقدر على حماية الأرض وحراثتها من الإناث رأى من الحكمة أن يورثها أولاده الذكور ويحرم منها البنات اللواتي ينتقلن بالزواج إلى أسرة غريبة. وبذلك يرضي أرواح الجدود التي تأبى الانتقال إلى أيد غريبة، في قبيلة غريبة.
ارتكز حرمان المرأة من الإرث على عقيدة فطرية ساذجة. وسيطر هذا التقليد على كثير من القبائل والشعوب في مختلف البيئات والعصور.
لكنه أخذ يتطور ويضمحل عند الأمم التي ارتفعت عن مستوى الفطرة. نبذته مصر القديمة لأنها حرمت الشعب حق الملكية الخاصة وحصرته في الدولة - أي في الملك والكهنة - وإذ اقتصرت ثروة الفرد على مداخيل نقدية قليلة، لم يجد حرجاً في قسمتها على التساوي بين أولاده من ذكور وإناث. وساوت الشرائع المصرية بين الرجل والمرأة في الحقوق، بل قدّمتها عليه في كثير منها، حتى قيل إنه ليس بين الشعوب القديمة ولا الحديثة شعب منح النساء من الحقوق ما منحه المصريون القدماء لنسائهم.
وعلى هذا المنوال جرت اسبارطة التي اعتنقت نظام الأمومة وأعطت المرأة حرية مساوية لحرية الرجل.
وكان من البديهي أن تتمتع المرأة بأفضل قسط من الحرية والحقوق في ظل الشرع الروماني الذي انتهت إليه خلاصة تجارب الأمم، لأن شعب رومة الذي تربّى على الفضائل المدنية وأدرك معنى القومية كان يحترم المرأة باعتبار فائدتها للدولة
وأهميتها في بناء الأسرة وتدبير المنزل ومعاونة الرجل في أعماله الزراعية وغيرها. وهذه المنزلة التي نالتها المرأة في المجتمع أدّت إلى رفع منزلتها في الشرع وتعديل القوانين المتعلقة بها، حتى أصبحت منذ القرن الثاني للميلاد مساوية للرجل في حقوق الإرث والوصاية والطلاق كما احتفظت بحق الحصول على بائنة من أبيها.
كان هذا وضع المرأة في الأقطار التي خضعت لنفوذ الرومان وتشريعهم، أقطار ساحل المتوسط التي تؤلف أرضنا جزءاً منها.
لكن - في جزيرة العرب - كانت القبائل حتى القرن السادس لا تزال على الفطرة في وضعها السياسي والاجتماعي وفي معاملتها للمرأة. وحين بُعث إليها الرسول محمد في مطلع القرن السابع رأى حوله مجتمعاً قبلياً يعتمد في معاشه على الغزو ولا يقيم وزناً لغير المحاربين. يحلل وأد البنات ويحرمهن كل نصيب في الإرث ولا يتقيد بقوانين واضحة في أحوال الزواج والطلاق. فحرّم الوأد، ونظم علاقة المرأة بالزوج والأسرة وأحدث التشريع الخاص بالزواج والطلاق، مفصلاً أحكام المهر والإرث والتملك والنفقة والحضانة.
ولم يكن في وسع الرسول أن يرفع المرأة دفعة واحدة من منزلتها البدائية إلى درجة المساواة التي بلغتها المرأة الرومانية بعد أجيال من التطور. ولو وُجد في بيئة أخرى لكان ذلك ممكناً. غير أن حكمة التاريخ تُنكر الانتقال الفجائي.
ومضت القرون والأحقاب. وعقب عصور الرقي عصور ظلمة وتقهقر تأثرت بها مكانة المرأة، حتى كانت النهضة الأوروبية الحديثة التي توّجت مآثرها بإعلان حقوق الإنسان والتصريح بأن البشر متساوون في الحقوق، على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم، نساءً كانوا أم رجالاً.
في هذه البلاد التي ترث من حضارات الشعوب الغابرة والحاضرة، وتشهد في وضع المرأة اللبنانية العصرية تطوراً سريعاً يؤهلها لمساواة الرجل في حقوق العمل والانتخاب، يرى المفكرون أنه عملاً بمبدأ التوازن والانسجام، لا بد من إعادة النظر في عدة قوانين تتعلق بالمرأة، أهمها قانون الإرث. إذ لا يُعقل أن تُنصف المرأة في ناحية دون غيرها، وأن يكون تطورها المبدئي متخلفاً عن تطورها الفعلي.
وإنه لمن واجب الفئات التقدمية أن لا تسكت عن حق المرأة في هذا الصدد، وأن تلح في مطالبة الهيئات المسؤولة بدرس مشروع القانون المرفوع إليها حول الموضوع.
إن لمساواة المرأة بالرجل في قانون الإرث قيمة معنوية كبرى إلى جانب القيمة المادية، لأنها من أهم العوامل التي تعيد إليها الثقة بنفسها وتُرغم المجتمع على اعتبارها إنساناً كاملاً.


