من الأمور التي تراود خاطري دائماً، لتأخذني في حيرة وأوهام، وتردني في حيرة وأوهام، معضلة الألم في هذه الحياة. فكم ضربت القلم في معاني الوجود، وكم غفوت عن الظاهر المألوف، لا طرق باب المغاليق في ثنايا الغيب، ثم أعود وفي قرارة ذاتي صوت واحد، يقول: بالآلام ولدت، وبالآلام أحيي، وبالآلام أموت.
أجل، لا أعرف شيئاً كالألم يختلط بمعدن الإنسان، ليجعله كتاباً جديداً بمداد من أضواء النجوم، فيصحح أغلاطه، ويوضح إبهامه، ويطهر شكه، إذ ذاك يصبح الإنسان كالماء المرشح صفاء يعتلي إلى فوق. أجل، لا أعرف شيئاً كالألم يرافق الإنسان، من المهد الذي يولد فيه إلى اللحد الذي يوارى فيه. الألم لحمته وسداته، في هذا الوجود. وإذا سئلت، ما هي علة الألم؟ قلت المجهول.
نعم، لقد كتب على الإنسان أن يتألم، لأنه كتب عليه، منذ أن سُوّي إنساناً، أن لا يعلم العلم الأخير. فهو ينتقل من عالٍ، إلى بعيد، إلى غامض، إلى مبهم، إلى مجهول، حيث يدرك أسمى درجات المعرفة الإنسانية، وهي أنه لا يعرف شيئاً. فالإنسان محدود على رغم أنفه بحدود جهله. ولكنه يتوق إلى العلم الأخير، لأنه، أصلاً، من ذات الله، والله مصدر كل معرفة أخيرة. هنا تقوم القيامة في ضمير الإنسان، وتندلع الحرب الطاحنة، بين المعرفة التي يود لو يكونها، والجهل الذي يكونه في النهاية. هنا يقع الصراع بين السماء والأرض في ذات الإنسان، بين المثالية التي ينهد إليها بالقوة، والواقعية التي ينتهي إليها بالفعل. هنا يختل التوازن، وينحرف الإنسان عن مصدره الإلهي، فيكون الألم. وهل الألم غير انحراف عما يجب أن يكون؟
ولا أقصد بالألم، في هذا المجال، أحزان الروح فقط، وإنما أعني به أوجاع الجسم أيضاً، إذ الألم شيء واحد، يختلف رتبة لا جوهراً. والروح، بأسرارها المتآلفة المتنافرة معاً، هي مصدر الألم في جميع مراتبه. هذه هي فلسفة الألم.
ولكن الألم واسطة لا غاية، ورسالة الإنسان أن يخفف من وطأة هذه الواسطة. لهذا نرى الحياة، وهي أصلاً عدل واتزان، تأتي بالشفاء عكساً للألم، وتعزية. فقد استل الله علة،
من الألم ذاته، لتفجير عكسه، وأراد أن يقضي عليه بالحياة أيضاً، فسكب في قلب المرأة بعضاً من هذا العكس، فكانت الممرضة! وكانت فيها معاني الرضى، والصبر، والإيمان.
نعم، لقد جاء قلب المرأة أقوى من الرجل، في التمريض، لأنها مؤمنة، والإيمان هو الذي يعيد الحياة إلى وجه المريض. لم تجد الحياة بريقاً إلا في نور عينيها، والفضيلة مادة إلا في صبرها وحنانها، فجاءت ابتسامتها تغالب ظلمة الألم، وجاءت يدها على المريض يد الله الشافية، التي تنقص من الآلام وتزيد في السرور. لقد جاء قلبها دليلاً على الرحمة الإلهية. فكل يد تعمل، في سبيل تخفيف الآلام عن الإنسانية، تخط بمداد من أضواء النجوم، التاريخ الإنساني الأكبر.
غير أن العجيب كل العجب، أن يقف تاريخ الإنسانية، عند حروبها الدامية، ومعاهداتها المتلونة. قتل الإنسان ما أكذبه! أليس في هذا التشويه، للتاريخ الحق، الدليل المفحم على أن وحشاً ضارياً، يكمن في الإنسان؟ أهذا هو التاريخ، تاريخ التدمير والتخريب، الذي يبرز الإنسان طينة إلهية؟ أهذا هو التاريخ الذي يفرح النفس ليجعلها تثق بالحياة؟ لعمري، كم أفسد هذا التاريخ عقولاً، فأضل الناس عن الصراط القويم.
لا، إن تاريخ الإنسانية الأكبر، لا تكتبه أنياب السيوف وأسنان الأسنة. هذا تاريخ مطامع الناس، وهو ثابت في الأرض، لأنه من أبناء الأرض. إن تاريخ الإنسانية الأكبر يلتحق بما وراء الأرض. هو تاريخ من يعمل في سبيل تخفيف أوجاع الإنسانية. هو مصحف أعمال من الرحمة التي لا تقاس بالحجم، ولا توزن بالكم، ولا يطبل لها، ويزمر. المتألمون، هم مادة هذا التاريخ الأكبر. والمعزون، الذين يضيئون مصابيح المعرفة، ويشبعون جوع المساكين، ويخففون من كابوس الآلام، هؤلاء هم بناته. أجل هؤلاء هم أبطاله الصامتون، وأبناؤه المباركون. فطوبى لهم، لأنهم يلجونه من باب حلال. طوبى لهم لأنهم يخضعون الدنيا إلى الإرادة الحكيمة، فيشرق من ورائهم البيان الإلهي الكامل.